" الدين شين الدين " . وروى عنه أنه قال : " الدين هم بالليل ومذلة بالنهار " . قال
علماؤنا : وإنما كان شينا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال والهم اللازم في قضائه ، والتذلل
للغريم عند لقائه ، وتحمل منته بالتأخير إلى حين أوانه . وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف ،
أو يحدث الغريم بسببه فيكذب ، أو يحلف له فيحنث ، إلى غير ذلك . ولهذا كان عليه السلام
يتعوذ من المأثم والمغرم ، وهو الدين . فقيل له : يا رسول الله ، ما أكثر ما تتعوذ من المغرم ؟
فقال : " إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف " . وأيضا فربما قد مات ولم
يقض الدين فيرتهن به ، كما قال عليه السلام : " نسمة المؤمن مرتهنة في قبره بدينه حتى يقضى
عنه " . وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص كماله . والله أعلم .
الثالثة - لما أمر الله تعالى بالكتب والاشهاد وأخذ الرهان كان ذلك نصا قاطعا
على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها ، وردا على الجهلة المتصوفة ورعاعها الذين لا يرون ذلك ،
فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم ، ثم إذا احتاج وافتقر عياله
فهو إما أن يتعرض لمنن الاخوان أو لصدقاتهم ، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم ،
وهذا الفعل مذموم منهي عنه . قال أبو الفرج الجوزي : ولست أعجب من المتزهدين
الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم ، إنما أتعجب من أقوام لهم علم وعقل كيف حثوا على هذا ،
وأمروا به مع مضادته للشرع والعقل . فذكر المحاسبي في هذا كلاما كثيرا ، وشيده أبو حامد
الطوسي ونصره . والحارث ( 1 ) عندي أعذر من أبى حامد ، لان أبا حامد كان أفقه ، غير أن دخوله
في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه . قال المحاسبي في كلام طويل له : ولقد بلغني
أنه لما توفى عبد الرحمن بن عوف قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
إنما نخاف على عبد الرحمن فيما ترك . فقال كعب : سبحان الله ! وما تخافون على عبد الرحمن ؟
كسب طيبا وأنفق طيبا وترك طيبا . فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا ، فمر بلحى ( 3 ) بعير
فأخذه بيده ، ثم أنطلق يطلب كعبا ، فقيل لكعب : إن أبا ذر يطلبك . فخرج هاربا حتى
هامش
( 1 ) هو أبو عهد الله الحارث بن أسد الزاهد المحاسبي ، وسمى المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه . ( عن أنساب السمعاني ) .
( 2 ) أراد كعب الأحبار بدليل قوله له : يا بن اليهودية ، وهذا غير صحيح على ما يأتي في ص 418 ومما تمسك
به بعض الملاحدة الاباحيين .
( 3 ) اللحى : عظم الحنك وهو الذي عليه الأسنان .