الثالثة - قوله تعالى : ( إلى أجل مسمى ) قال ابن المنذر : دل قول الله " إلى أجل
مسمى " على أن السلم إلى الاجل المجهول غير جائز ، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
على مثل معنى كتاب الله تعالى . ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون
في الثمار السنتين والثلاث ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أسلف في تمر فليسلف
في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " رواه ابن عباس . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما .
وقال ابن عمر : كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة . وحبل الحبلة :
أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت . فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . وأجمع كل
من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم
موصوف ، من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلها . بكيل معلوم ، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم
معلومة ، يدفع ممن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه ، وسميا المكان الذي
يقبض فيه الطعام . فإذا فعلا ذلك وكان جائز الامر كان سلما صحيحا لا أعلم أحدا من أهل
العلم يبطله .
قلت : وقال علماؤنا : إن السلم إلى الحصاد والجذاذ والنيروز والمهرجان جائز ، إذ ذاك
يختص بوقت وزمن معلوم .
الرابعة - حد علماؤنا رحمة الله عليهم السلم فقالوا : هو بيع معلوم في الذمة محصور
بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم . فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز
من المجهول ، ومن السلم في الأعيان المعينة ، مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدم عليهم
النبي عليه السلام فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيل بأعيانها ، فنهاهم عن ذلك لما فيه من
الغرر ، إذ قد تخلف تلك الأشجار فلا تثمر شيئا .
وقولهم " محصور بالصفة " تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل ، كما لو أسلم في تمر
أو ثياب أو حيتان ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة .
وقولهم " بعين حاضرة " تحرز من الدين بالدين . وقولهم " أوما هو في حكمها " تحرز من
اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه ، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر ، بشرط
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 378
مساهمون: القرطبي
ص٣٧٨