علة ذلك كونه مكيلا أو موزونا جنسا ، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد ،
فإن بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئا لا يجوز ، فمنع بيع التراب بعضه ببعض متفاضلا ،
لأنه يدخله الكيل ، وأجاز الخبز قرصا بقرصين ، لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو
أصله ، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه . وقال الشافعي : العلة كونه مطعوما
جنسا . هذا قوله في الجديد ، فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز بالخبز متفاضلا
ولا نسيئا ، وسواء أكان الخبز خميرا أو فطيرا . ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين ، ولا رمانة
برمانتين ، ولا بطيخة ببطيختين لا يدا بيد ولا نسيئة ، لان ذلك كله طعام مأكول . وقال
في القديم : كونه مكيلا أو موزونا . واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك ، وأحسن
ما في ذلك كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا ، كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص
عليها ، وما في معناها كالأرز والذرة والدخن والسمسم ، والقطاني كالفول والعدس واللوبياء
والحمص ، وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت ، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون ،
واختلف في التين ، ويلحق بها العسل والسكر . فهذا كله يدخله الربا من جهة النساء .
وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام : " إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم
إذا كان يدا بيد " . ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثرى
والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من الخضراوات . قال مالك : لا يجوز بيع البيض بالبيض
متفاضلا ، لأنه مما يدخر ، ويجوز عنده مثلا بمثل . وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم :
جائز بيضة ببيضتين وأكثر ، لأنه مما لا يدخر ، وهو قول الأوزاعي .
العاشرة - اختلف النحاة في لفظ " الربا " فقال البصريون : هو من ذوات الواو ،
لأنك تقول في تثنيته : ربوان ، قاله سيبويه . وقال الكوفيون : يكتب بالياء ، وتثنيته بالياء ،
لأجل الكسرة التي في أوله . قال الزجاج : ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع ! لا يكفيهم
الخطأ في الخط حتى يخطئوا في التثنية وهم يقرءون " وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ( 1 ) "
قال محمد بن يزيد : كتب " الربا " في المصحف بالواو فرقا بينه وبين الزنا ، وكان الربا أولى
منه بالواو ، لأنه من ربا يربو .
هامش
( 1 ) راجع ج 14 ص 36