وهذا في صدر الاسلام ، فعلتهم ( 1 ) تمنع من الاكتساب بالجهاد ، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم
يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء . وقيل : معنى " لا يستطيعون ضربا في الأرض "
أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد . والأول أظهر . والله أعلم .
الثانية - قوله تعالى : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) أي أنهم من الانقباض
وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء . وفيه دليل على أن اسم الفقر
يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه . وقد أمر الله
تعالى بإعطاء هؤلاء القوم ، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
غير مرضى ولا عميان . والتعفف تفعل ، وهو بناء مبالغة من عف عن الشئ إذا أمسك عنه
وتنزه عن طلبه ، وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره . وفتح السين وكسرها في " يحسبهم " لغتان .
قال أبو علي : والفتح أقيس ، لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتى في المضارع
مفتوحة . والقراءة بالكسر حسنة ، لمجئ السمع به وإن كان شاذا عن القياس . و " من "
في قوله " من التعفف " لابتداء الغاية . وقيل لبيان الجنس .
الثالثة - قوله تعالى : ( تعرفهم بسيماهم ) فيه دليل على أن للسيما أثرا في اعتبار من
يظهر عليه ذلك ، حتى إذا رأينا ميتا في دار الاسلام وعليه زنار ( 2 ) وهو غير مختون لا يدفن في مقابر
المسلمين ، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء ، ومنه قوله تعالى : " ولتعرفنهم
في لحن القول ( 3 ) " . فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزى ( 4 )
في التجمل . واتفق العلماء على ذلك ، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج .
فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة ، والشافعي اعتبر قوت سنة ، ومالك اعتبر أربعين
درهما ، والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب .
والسيما ( مقصورة ) : العلامة ، وقد تمد فيقال السيماء . وقد اختلف العلماء في تعيينها
هنا ، فقال مجاهد : هي الخشوع والتواضع . السدى : أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة
هامش
( 1 ) كذا في ج . راجع الطبري . وباقي الأصول : فقلتهم .
( 2 ) الزنار ( بضم الزاي وتشديد النون ) :
ما يشده الذمي على وسطه .
( 3 ) راجع ج 16 ص 251 .
( 4 ) في ج : زين .