لو كان كما قال مجاهد لكان وتثبتا من تثبت ككرمت تكرما ، وقول قتادة : احتسابا ، لا يعرف
إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبتهم محتسبة ، وهذا بعيد . وقول الشعبي حسن ، أي تثبيتا من
أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز وجل ، يقال : ثبت فلانا في هذا الامر ،
أي صححت عزمه ، وقويت فيه رأيه ، أثبته تثبيتا ، أي أنفسهم موقنة بوعد الله على تثبيتهم
في ذلك . وقيل : " وتثبيتا من أنفسهم " أي يقرون بأن الله تعالى يثبت عليها ، أي وتثبيتا
من أنفسهم لثوابها ، بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب .
قوله تعالى : ( كمثل جنة بربوة ) الجنة البستان ، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار
حتى تغطيها ، فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم . وقد تقدم . والربوة :
المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا ، معه في الأغلب كثافة تراب ، وما كان كذلك فنباته أحسن ،
ولذلك خص الربوة بالذكر . قال ابن عطية : ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم
الطبري ، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد ، لأنها خير من رياض تهامة ، ونبات نجد
أعطر ، ونسيمه أبرد وأرق ، ونجد يقال لها حزن . وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل ، ولذلك
قالت الاعرابية : " زوجي كليل تهامة " . وقال السدى : " بربوة " أي برباوة ، وهو ما انخفض
من الأرض . قال ابن عطية : وهذه عبارة قلقة ، ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد .
قلت : عبارة السدى ليست بشئ ، لان بناء " رب و " معناه الزيادة في كلام العرب ،
ومنه الربو للنفس العالي . ربا يربو إذا أخذه الربو . وربا الفرس إذا أخذه الربو من عدو
أو فزع . وقال الفراء في قوله تعالى : " أخذهم أخذة رابية ( 1 ) " أي زائدة ، كقولك : أربيت
إذا أخذت أكثر مما أعطيت . وربوت في بنى فلان وربيت أي نشأت فيهم . وقال
الخليل : الربوة أرض مرتفعة طيبة وخص الله تعالى بالذكر التي لا يجرى فيها ماء من حيث
العرف في بلاد العرب ، فمثل لهم ما يحسونه ويدركونه . وقال ابن عباس : الربوة المكان
المرتفع الذي لا تجرى فيه الأنهار ، لان قوله تعالى : ( أصابها وابل ) إلى آخر الآية يدل على
أنها ليس فيها ماء جار ، ولم يرد جنس التي تجرى فيها الأنهار ، لان الله تعالى قد ذكر ربوة
هامش
( 1 ) راجع ج 18 ص 262