ثم قطعها قطعا صغارا ، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون
أعجب ، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل ، ووقف هو من حيث يرى
تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده ، ثم قال : تعالين بإذن الله ، فتطايرت تلك الأجزاء
وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس ، ثم كرر
النداء فجاءته سعيا ، أي عدوا على أرجلهن . ولا يقال للطائر : " سعى " إذا طار إلا على التمثيل ،
قاله النحاس . وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر ، وإذا أشار إليه
برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه ، وطارت بإذن الله . وقال الزجاج : المعنى ثم أجعل
على كل جبل من كل واحد جزءا . وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر " جزؤا " على فعل .
وعن أبي جعفر أيضا " جزا " مشددة الزاي . الباقون مهموز مخفف ، وهي لغات ، ومعناه
النصيب . ( يأتينك سعيا ) نصب على الحال . و ( صرهن ) معناه قطعهن ، قاله ابن عباس
ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري ، يقال : صار الشئ يصوره أي قطعه ، وقاله ابن إسحاق .
وعن أبي الأسود الدؤلي : هو بالسريانية التقطيع ، قال توبة بن الحمير يصفه :
فلما جذبت الحبل أطت نسوعه * بأطراف عيدان شديد سيورها
فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها * بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها
أي يقطعها . والصور : القطع . وقال الضحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما روى عنه :
إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن . وقيل : المعنى أملهن إليك ، أي اضممهن واجمعهن إليك ،
يقال : رجل أصور إذا كان مائل العنق . وتقول : إني إليكم لأصور ، يعنى مشتاقا مائلا .
وامرأة صوراء ، والجمع صور مثل أسود وسود ، قال الشاعر :
الله يعلم أنا في تلفتنا * يوم الفراق إلى جيراننا صور
فقوله " إليك " على تأويل التقطيع متعلق ب " خذ " ولا حاجة إلى مضمر ، وعلى تأويل الإمالة
والضم متعلق ب " صرهن " وفى الكلام متروك : فأملهن إليك ثم قطعهن . وفيها خمس قراءات :
اثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء . وقرأ قوم " فصرهن " بضم الصاد
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 301
مساهمون: القرطبي
ص٣٠١