ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب ، وقال : " أبعدهما الله هما أول من كفر " ! فوجد
أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه
" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ( 1 ) " ، الآية ثم إنه نسخ " لا إكراه في الدين "
فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة " براءة ( 2 ) " . والصحيح في سبب قوله تعالى : " فلا وربك
لا يؤمنون " حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السقي ، على ما يأتي في " النساء ( 1 ) " بيانه إن شاء
الله تعالى . وقيل : معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها ، وهو القول الخامس .
وقول سادس ، وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارا ( 3 ) ،
وإن كانوا مجوسا صغارا أو كبارا أو وثنيين فإنهم يجبرون على الاسلام ، لان من سباهم لا ينتفع
بهم مع كونهم وثنيين ، ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم ، ويدينون بأكل الميتة
والنجاسات وغيرهما ، ويستقذرهم المالك لهم ويتعذر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك
فجاز له الاجبار . ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك . وأما أشهب فإنه قال : هم على دين
من سباهم ، فإذا امتنعوا أجبروا على الاسلام ، والصغار لا دين لهم فلذلك أجبروا على الدخول
في دين الاسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل . فأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية
لم نكرههم على الاسلام سواء كانوا عربا أم عجما قريشا أو غيرهم . وسيأتي بيان هذا وما للعلماء
في الجزية ومن تقبل منه في " براءة ( 2 ) " إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ) جزم بالشرط . والطاغوت مؤنثة
من طغى يطغى . - وحكى الطبري يطغو - إذا جاوز الحد بزيادة عليه . ووزنه فعلوت ،
ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل والكثير . ومذهب أبي على
أنه مصدر كرهبوت وجبروت ، وهو يوصف به الواحد والجمع ، وقلبت لامه إلى موضع العين
وعينه موضع اللام كجبذ وجذب ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت ،
واختار هذا القول النحاس . وقيل : أصل طاغوت في اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدى معناه
من غير اشتقاق ، كما قيل : لآل من اللؤلؤ . وقال المبرد : هو جمع . وقال ابن عطية : وذلك
هامش
( 1 ) راجع ج 5 ص 266
( 2 ) راجع ج 8 ص 109
( 3 ) في ب وج وا : وإن كانوا صغارا لم يجبروا .