واختلفت الرواية عن مالك في امرأة العنين إذا سلمت نفسها ثم فرق بينهما بالعنة ،
فقال مرة : لها جميع الصداق ، وقال مرة : لها نصف الصداق ، وهذا ينبنى على اختلاف
قوله : بم تستحق الصداق بالتسليم أو الدخول ؟ قولان .
الثالثة - قال ابن خويز منداد : واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا ؟
فقال بعض أصحابنا : ليس على الزوجة خدمة ، وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة ،
ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة ، وإنما هو عقد على الاستمتاع ، والمستحق بالعقد
هو الاستمتاع دون غيره ، فلا تطالب بأكثر منه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : " فإن أطعنكم
فلا تبغوا عليهن سبيلا ( 1 ) " . وقال بعض أصحابنا : عليها خدمة مثلها ، فإن كانت شريفة المحل
ليسار أبوة أو ترفه فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم ، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش
الفراش ونحو ذلك ، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل . وإن كانت
من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلفه نساؤهم ، وذلك أن الله تعالى قال :
" ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " . وقر جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الامر
وحديثه بما ذكرنا ، ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين
والخبيز والطبخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ، ولا نعلم امرأة امتنعت من
ذلك ، ولا يسوغ لها الامتناع ، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ، ويأخذونهن
بالخدمة ، فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك .
الرابعة - قوله تعالى : ( وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) حدود الله : ما منع
منه ، والحد مانع من الاجتزاء على الفواحش ، وأحدت المرأة : امتنعت من الزينة ، ورجل
محدود : ممنوع من الخير ، والبواب حداد أي مانع . وقد تقدم هذا مستوفى ( 1 ) . وإنما قال :
" لقوم يعلمون " لان الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده . والعالم
يحفظ ويتعاهد ، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال .
هامش
( 1 ) تراجع المسألة الخامسة والثلاثون ج 2 ص 337