فاستشاط غضبا . فأتاه أبرهة بن الصباح وحجر بن شرحبيل وأبو يكسوم الكنديون ، وضمنوا له
إحراق الكعبة وسبي مكة . وكان النجاشي هو الملك ، وأبرهة صاحب الجيش ، وأبو يكسوم
نديم الملك ، وقيل وزير ، وحجر بن شرحبيل من قواده ، وقال مجاهد : أبو يكسوم هو أبرهة
ابن الصباح . فساروا ومعهم الفيل . قال الأكثرون : هو فيل واحد . وقال الضحاك :
هي ثمانية فيلة . ونزلوا بذي المجاز ، واستاقوا سرح مكة ، وفيها إبل عبد المطلب . وأتى
الراعي نذيرا ، فصعد الصفا ، فصاح : وا صباحاه ! ثم أخبر الناس بمجئ الجيش والفيل .
فخرج عبد المطلب ، وتوجه إلى أبرهة ، وسأله في إبله . واختلف في النجاشي ، هل كان
معهم ، فقال قوم كان معهم . وقال الأكثرون : لم يكن معهم . ونظر أهل مكة بالطير قد أقبلت
من ناحية البحر ، فقال عبد المطلب : إن هذه الطير غريبة بأرضنا ، وما هي بنجدية ولا تهامية
ولا حجازية " وإنها أشباه اليعاسيب ( 1 ) . وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة ، فلما أطلت ( 2 ) على
القوم ألقتها عليهم ، حتى هلكوا . قال عطاء بن أبي رباح : جاءت الطير عشية ، فباتت ثم صبحتهم
بالغداة فرمتهم . وقال الكلبي : في مناقيرها حصى كحصى الخذف ( 3 ) ، أمام كل فرقة طائر يقودها ،
أحمر المنقار ، أسود الرأس ، طويل العنق . فلما جاءت عسكر القوم وتوافت ، أهالت ما في مناقيرها
على من تحتها ، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه المقتول به . وقيل : كان كل حجر مكتوب :
من أطاع الله نجا ، ومن عصاه غوى . ثم انصاعت ( 4 ) راجعة من حيث جاءت . وقال العوفي :
سألت عنها أبا سعيد الخدري ، فقال : حمام مكة منها . وقيل : كان يقع الحجر على بيضة ( 5 ) أحدهم
فيخرقها ، ويقع في دماغه ، ويخرق الفيل والدابة . ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه .
وكان أصحاب الفيل ستين ألفا ، لم يرجع منهم أحد إلا أميرهم ، رجع ومعه شرذمة لطيفة . فلما
أخبروا بما رأوا هلكوا . وقال الواقدي : أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمان رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأبرهة هو الأشرم ، سمي بذلك لأنه تفاتن ( 6 ) مع أرياط ، حتى تزاحفا ،
هامش
( 1 ) اليعسوب : أمير النحل .
( 2 ) في نسخة : ( أقبلت ) .
( 3 ) الخذف : الرمي بالحصى
الصغار بأطراف الأصابع .
( 4 ) انصاع الرجل : انفتل راجعا ومر مسرعا .
( 5 ) هي بيضة الحديد .
( 6 ) المفاتنة : اختلاف الناس في الآراء وما يقع بينهم من القتال .