والأول أصح ، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء . وأيضا فإن
الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ، ولا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى
الله عليه وسلم ، وهذا بين .
والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة ، فإن الصلاة إلى الشام
لم تكن في كتاب الله تعالى . وفي قوله تعالى : " فلا ترجعوهن إلى الكفار ( 1 ) " فإن رجوعهن
إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش .
والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا ، واختلقوا هل وقع شرعا ، فذهب
أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء ، على ما يأتي بيانه ( 2 ) ، وأبى ذلك قوم . ولا يصح
نسخ نص بقياس ، إذ من شروط القياس ألا يخالف نصا .
وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت
الأمة أنه لا نسخ ، ولهذا كان الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي ،
فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فيعلم أن الاجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن ، وأن ذلك
النص المخالف متروك العمل به ، وأن مقتضاه نسخ وبقي سنة يقرأ ويروى ، كما آية عدة
السنة ( 3 ) في القرآن تتلى ، فتأمل هذا فإنه نفيس ، ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة ، ومثله
صدقة النجوى . وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم . وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ،
ومنه قول الصديق رضي الله عنه : كنا نقرأ " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر " ومثله كثير .
والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول ، كما يأتي بيانه
في تحويل القبلة .
والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله ، وهو موجود في قصة الذبيح ، وفي فرض خمسين
صلاة قبل فعلها بخمس ، على ما يأتي بيانه في " الاسراء ( 4 ) " و " الصافات ( 5 ) " ، إن شاء الله تعالى .
الثانية عشرة - لمعرفة الناسخ طرق ، منها - أن يكون في اللفظ ما يدل عليه ، كقوله
عليه السلام : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف
هامش
( 1 ) راجع ج 18 ص 63 .
( 2 ) ج 8 ص 259 .
( 3 ) يريد قوله تعالى : " متاعا إلى الحول . . . "
فإنه قد نسخ حكمها وبقيت تلاوتها . راجع ج 3 ص 226 .
( 4 ) ج 10 ص 210 .
( 5 ) ج 15 ص 107 .