السلام ، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره ، وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم . هذا قول
الربيع وابن إسحاق ، وفي هذا القول ضعف . ومن قال : إن السبعين سمعوا ما سمع موسى
فقد أخطأ ، وأذهب بفضيلة موسى واختصاصه بالتكليم . وقد قال السدي وغيره : لم يطيقوا
سماعه ، واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم ، فلما فرغوا وخرجوا
بدلت طائفة منهم ما سمعت من كلام الله على لسان نبيهم موسى عليه السلام ، كما قال تعالى :
" وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " ( 1 ) .
فإن قيل : فقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوم موسى سألوا موسى
أن يسأل ربه أن يسمعهم كلامه ، فسمعوا صوتا كصوت الشبور : ( 2 ) " إني أنا الله لا إله إلا أنا
الحي القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شديدة " .
قلت : هذا حديث باطل لا يصح ، رواه ابن مروان عن الكلبي وكلاهما ضعيف
لا يحتج به ، وإنما الكلام شئ خص به موسى من بين جميع ولد آدم ، فإن كان كلم قومه
أيضا حتى أسمعهم كلامه فما فضل موسى عليهم ، وقد قال وقوله الحق : " إني اصطفيتك
على الناس برسالاتي وبكلامي " ( 3 ) . وهذا واضح .
الثالثة - واختلف الناس بماذا عرف موسى كلام الله ولم يكن سمع قبل ذلك
خطابه ، فمنهم من قال : إنه سمع كلاما ليس بحروف وأصوات ، وليس فيه تقطيع ولا نفس ،
فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين . وقال آخرون : إنه لما
سمع كلاما لا من جهة ، وكلام البشر يسمع من جهة من الجهات الست ، علم أنه ليس من
كلام البشر . وقيل : إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام ، فعلم أنه كلام
الله . وقيل فيه : إن المعجزة دلت على أن ما سمعه هو كلام الله ، وذلك أنه قيل له : ألق
عصاك ، فألقاها فصارت ثعبانا ، فكان ذلك علامة على صدق الحال ، وأن الذي يقول له :
" إني أنا ربك " ( 4 ) هو الله عز وجل . وقيل : إنه قد كان أضمر في نفسه شيئا لا يقف عليه
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 75 .
( 2 ) الشبور ( على وزن التنور ) : البوق .
( 3 ) راجع ج 7 ص 280 .
( 4 ) راجع ج 11 ص 172 .