واحد ، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح . فأفردت مع الفلك في " يونس " ،
لان ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متصلة ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها
وبين ريح العذاب .
الحادية عشرة - قال العلماء : الريح تحرك الهواء ، وقد يشتد ويضعف . فإذا بدت
حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى سمت القبلة قيل لتلك الريح : " الصبا " . وإذا بدت
حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى تجاه القبلة قيل لتلك الريح : " الدبور " . وإذا
بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها قيل لها : " ريح الجنوب " . وإذا بدت
حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل لها : " ريح الشمال " . ولكل واحدة من
هذه الرياح طبع ، فتكون منفعتها بحسب طبعها ، فالصبا حارة يابسة ، والدبور باردة رطبة ،
والجنوب حارة رطبة ، والشمال باردة يابسة . واختلاف طباعها كاختلاف طبائع فصول
السنة . وذلك أن الله تعالى وضع للزمان أربعة فصول مرجعها إلى تغيير أحوال الهواء ،
فجعل الربيع الذي هو أول الفصول حارا رطبا ، ورتب فيه النش ء والنمو فتنزل فيه المياه ،
وتخرج الأرض زهرتها وتظهر نباتها ، ويأخذ الناس في غرس الأشجار وكثير من الزرع ،
وتتوالد فيه الحيوانات وتكثر الألبان . فإذا انقضى الربيع تلاه الصيف الذي هو مشاكل
للربيع في إحدى طبيعتيه وهي الحرارة ، ومباين له في الأخرى وهي الرطوبة ، لان الهواء
في الصيف حار يابس ، فتنضج فيه الثمار وتيبس فيه الحبوب المزروعة في الربيع . فإذا انقضى
الصيف تبعه الخريف الذي هو مشاكل للصيف في إحدى طبيعتيه وهي اليبس ، ومباين له
في الأخرى وهي الحرارة ، لان الهواء في الخريف بارد يابس ، فيتناهى فيه صلاح الثمار وتيبس
وتجف فتصير إلى حال الادخار ، فتقطف الثمار وتحصد الأعناب وتفرغ من جمعها الأشجار .
فإذا انقضى الخريف تلاه الشتاء وهو ملائم للخريف في إحدى طبيعتيه وهي البرودة ،
ومباين له في الأخرى وهو اليبس ، لان الهواء في الشتاء بارد رطب ، فتكثر الأمطار والثلوج
وتمهد الأرض كالجسد المستريح ، فلا تتحرك إلا أن يعبد الله تبارك وتعالى إليها حرارة
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 199
مساهمون: القرطبي
ص١٩٩