في سرادق الرحمة قد أحاط بهم في الموقف ، وهو الغمام الذي يأتي فيه الرب تبارك وتعالى ،
ولكن يعاينون ذلك الرمي ، فإذا عاينوه نزع الله ذلك السلطان والغضب عنه في رأي العين منهم
حتى يروها صفراء ، ليعلم الموحدون أنهم في رحمة الله لا في سلطانه وغضبه . وكان ابن عباس
يقول : الجمالات الصفر : حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال .
ذكره البخاري . وكان يقرؤها " جمالات " بضم الجيم ، وكذلك قرأ مجاهد وحميد " جمالات " بضم
الجيم ، وهي الحبال الغلاظ ، وهي قلوس السفينة أي حبالها . وواحد القلوس : قلس . وعن ابن عباس
أيضا على أنها قطع النحاس . والمعروف في الحبل الغليظ جمل بتشديد الميم كما تقدم في " الأعراف " ( 1 )
" وجمالات " بضم الجيم : جمع جمالة بكسر الجيم موحدا ، كأنه جمع جمل ، نحو حجر وحجارة ، وذكر
وذكارة . وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق وعيسى والجحدري " جمالة " بضم الجيم موحدا وهي
الشئ العظيم المجموع بعضه إلى بعض . وقرأ حفص وحمزة والكسائي " جمالة " وبقية
السبعة " جمالات " قال الفراء : يجوز أن تكون الجمالات جمع جمال كما يقال : رجل ورجال
ورجالات . وقيل : شبهها بالجمالات لسرعة سيرها . وقيل : لمتابعة بعضها بعضا . والقصر :
واحد القصور . وقصر الظلام : اختلاطه ويقال : أتيته قصرا أي عشيا ، فهو مشترك ، قال : ( 2 )
كأنهم قصرا مصابيح راهب * بموزن روى بالسليط ذبالها
مسألة : في هذه الآية دليل على جواز ادخار الحطب والفحم وإن لم يكن من القوت ،
فإنه من مصالح المرء ومغاني مفاقره . وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت
حاجته ، ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخر القوت
في وقت عموم وجوده من كسبه وماله ، وكل شئ محمول عليه . وقد بين ابن عباس هذا
بقوله : كنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه وندخره للشتاء وكنا
نسميه القصر . وهذا أصح ما قيل في ذلك والله أعلم .
هامش
( 1 ) راجع ج 7 ص 207
( 2 ) قائله كثير عزة . وموزن كمقعد : بلد بالجزيرة .