الأيام والعشرين والأكثر ، فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته ،
فلما انفتل برصيصا من صلاته ، رأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان ،
فندم حين لم يجبه ، فقال : ما حاجتك ؟ فقال : أن أكون معك ، فأتأدب بأدبك ، وأقتبس
من عملك ، ونجتمع على العبادة ، فقال : إني في شغل عنك ، ثم أقبل على صلاته ، وأقبل
الأبيض أيضا على الصلاة ، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده وعبادته قال له : ما حاجتك ؟
فقال : أن تأذن لي فأرتفع إليك . فأذن له فأقام الأبيض معه حولا لا يفطر إلا في كل
أربعين يوما يوما واحدا ، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما ، وربما مد إلى
الثمانين ، فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه . ثم قال الأبيض : عندي دعوات
يشفي الله بها السقيم والمبتلي والمجنون ، فعلمه إياها . ثم جاء إلى إبليس فقال : قد والله
أهلكت الرجل . ثم تعرض لرجل فخنقه ، ثم قال لأهله - وقد تصور في صورة
الآدميين - : إن بصاحبكم جنونا أفأطبه ؟ قالوا نعم . فقال : لا أقوى على جنيته ، ولكن
اذهبوا به إلى برصيصا ، فإن عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به
أجاب ، فجاءوه فدعا بتلك الدعوات ، فذهب عنه الشيطان . ثم جعل الأبيض يفعل
بالناس ذلك ويرشدهم إلى برصيصا فيعافون . فانطلق إلى جارية من بنات الملوك بين
ثلاثة إخوة ، وكان أبوهم ملكا فمات واستخلف أخاه ، وكان عمها ملكا في بني إسرائيل
فعذبها وخنقها . ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبب ليعالجها فقال : إن شيطانها مارد
لا يطاق ، ولكن اذهبوا بها إلى برصيصا فدعوها عنده ، فإذا جاء شيطانها دعا لها فبرئت ،
فقالوا : لا يجيبنا إلى هذا ، قال : فابنوا صومعة في جانب صومعته ثم ضعوها فيها ، وقولوا :
هي أمانة عندك فأحتسب فيها . فسألوه ذلك فأبى ، فبنوا صومعة ووضعوا فيها الجارية ،
فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال فأسقط في يده ، فجاءها الشيطان فخنقها
فانفتل من صلاته ودعا لها فذهب عنها الشيطان ، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها .
وكان يكشف عنها ويتعرض بها لبرصيصا ، ثم جاءه الشيطان فقال : ويحك ! واقعها ، فما تجد
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 38
مساهمون: القرطبي
ص٣٨