فان نأى سائرا ، يا مهجتي ، ارتحلي * و إن دنا زائرا ، يا مقلتي ، ابتهجي
قل للذي لا مني فيه و عنّفني * دعني و شأني و عد عن نصحك السمج
فاللّوم لوّم ، و لم يمدح به أحد ؛ * و هل رأيت محبّا بالغرام هجي ؟
يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكني * و اربح فؤادك ؛ و اخدر فتنة الدعج
يا صاحبي ، و أنا البرّ الرؤوف ، و قد * بذلت نصحى بذاك الحىّ لا تعج
فيه خلعت عذاري و اطّرحت به * قبول نسكي ، و المقبول من حججي
و أبيضّ وجه غرامي في محبته ، * و اسودّ وجه ملامي فيه بالحجج
تبارك اللّه ! ما أحلى شمائله ، * فكم أماتت و أحيت فيه من مهج
يهوى لذكر اسمه من لجّ في عذلي * سمعي و ان كان عذلي فيه لم يلج
و أرحم البرق في مسراه ، منتسبا * لثغره ، و هو مستحي من الفلج
تراه إن غاب عنّي كلّ جارحة * في كل معنى لطيف ، رائق ، بهج
في نغمة العود و الناي الرخيم إذا * تألّفا بين ألحان من الهزج
و في مسارح غزلان الخمائل ، في * برد الأصائل و الاصباح في البلج
و في مساقط أنداء الغمام ، على * بساط نور ، من الأزهار منتسج
و في مساحب أذيال النسيم ، إذا * أهدى إلىّ ، سحيرا ، أطيب الأرج
و في التثامي ثغر الكأس ، مرتشفا * ريق المدامة ، في مستنزه فرج
لم أدر ما غربة الأوطان ، و هو معي ، * و خاطري ، أين كنّا ، غير منزعج
فالدار داري و حبّي حاضر و متى * بدا فمنعرج الجوعاء منعرج
ليهن ركبا سروا ليلا و أنت بهم * بسيرهم في صباح منك منبلج
فليصنع القوم ما شاؤوا لأنفسهم ؛ * هم أهل بدر ، فلا يخشون من حرج
به حق عصيانك اللاحي عليك ، و ما * بأضلعي ، طاعة للوجد ، من وهج
انظر إلى كبد ذابت عليك أسى * و مقلة من نجيع الدمع في لجج
و ارحم تعثّر آمالي و مرتجعي * إلى خداع تمنّي النفس بالفرج
و اعطف على ذل أطماعي بهل و عسى ، * و امنن عليّ بشرح الصدر من حرج
أهلا بما لم يكن أهلا لموقعة * قول المبشّر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد * ذكرت ثمّ على ما فيك من عوج
( ابن فارض )