الثعلبي : وهذا قول حسن ، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده . ودليل هذا
التأويل قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقو ( 1 ) لن الله ) ( ولئن سألتهم من خلق السماوات
والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ( 1 ) ) وما أشبه هذا من الآيات . وعن مجاهد أيضا :
إلا لآمرهم وأنهاهم . زيد بن أسلم : هو ما جبلوا عليه من الشقوة والسعادة ، فخلق السعداء
من الجن والإنس للعبادة ، وخلق الأشقياء منهم للمعصية . وعن الكلبي أيضا : إلا ليوحدون ،
فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة
والرخاء ، يدل عليه قوله تعالى : ( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ( 2 ) )
الآية . وقال عكرمة : إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد . وقيل : المعنى
إلا لأستعبدهم . والمعنى متقارب ، تقول : عبد بين العبودة والعبودية ، وأصل العبودية
الخضوع والذل . والتعبيد التذليل ، يقال : طريق معبد . قال ( 3 ) :
* وظيفا وظيفا فوق مور معبد *
والتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبدا . وكذلك الاعتباد . والعبادة : الطاعة ، والتعبد
التنسك . فمعنى ( ليعبدون ) ليذلوا ويخضعوا ويعبدوا . ( ما أريد منهم من رزق ) ( من )
صلة أي رزقا بل أنا الرزاق والمعطي . وقال ابن عباس وأبو الجوزاء : أي ما أريد أن
يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها . وقيل : المعنى ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم
( ان الله هو الرزاق ) وقرأ ابن محيصن وغيره ( الرازق ) . ( ذو القوة المتين ) أي الشديد
القوي . وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والنخعي ( المتين ) بالجر على النعت للقوة .
الباقون بالرفع على النعت ل ( الرزاق ) أو ( ذو ) من قوله : ( ذو القوة ) أو يكون خبر
ابتداء محذوف ، أو يكون نعتا لاسم إن على الموضع ، أو خبرا بعد خبر . قال الفراء : كان
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 123 وص 64
( 2 ) راجع ج 14 ص 80
( 3 ) هو طرفة بن العبد ، والبيت من معلقته وصدره :
* تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت *
الوظيف عظم الساق . وقوله أتبعت وظيفا وظيفا أي أتبعت وظيف يدها وظيف رجلها ، ويستحب من الناقة أن تجعل
رجلها في موضع يدها إذا سارت . والمور : الطريق .