لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم ، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم استحلته أنفسهم ، وكان
الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم ، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ،
ثم قالوا : اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل ، فإن تابعوكم فاتركوهم وإلا فاقتلوهم . ثم اصطلحوا
على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم ، وقالوا : إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد ، وإن أبى قتلناه فلا يختلف
علينا بعده أحد ، فأرسلوا إليه ، فكتب كتاب الله في ورقة وجعلها في [ قرن وعلقه ( 1 ) في ] عنقه
ثم لبس عليه ثيابه ، فأتاهم فعرضوا عليه كتابهم ، وقالوا : أتؤمن بهذا ؟ فضرب بيده على
صدره ، وقال : آمنت بهذا يعني المعلق على صدره . فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين
ملة ، وخير مللهم أصحاب ذي القرن . قال عبد الله : ومن يعش منكم فسيرى منكرا ،
وبحسب أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره . وقال
مقاتل بن حيان ( 2 ) : يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد واستبطئوا بعث النبي صلى الله
عليه وسلم ( فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) يعني الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب
الصوامع . وقيل : من لا يعلم ما يتدين به من الفقه ويخالف من يعلم . وقيل : هم من
لا يؤمن في علم الله تعالى . ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بعث النبي صلى الله عليه
وسلم فآمنوا به ، وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى وهم الذين فسقهم الله . وقال محمد بن
كعب : كانت الصحابة بمكة مجدبين ، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ، ففتروا عما كانوا
فيه ، فقست قلوبهم ، فوعظهم الله فأفاقوا . وذكر ابن المبارك : أخبرنا مالك بن أنس ،
قال : بلغني أن عيسى عليه السلام قال لقومه : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو
قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون . ولا تنظروا في ذنوب الناس
كأنكم أرباب وانظروا فيها - أو قال في ذنوبكم - كأنكم عبيد ، فإنما الناس رجلان معافى
ومبتلى ، فارحموا أهل البلاء ، واحمدوا الله على العافية . وهذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا
أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وابن المبارك رحمهما الله
هامش
( 1 ) الزيادة من تفسير الطبري .
( 2 ) في بعض التفاسير : مقاتل بن سليمان وهو المفسر .