قلت : والظاهر من الآية أنه لما قتل قيل له ادخل الجنة . قال قتادة : أدخله الله
الجنة وهو فيها حي يرزق ، أراد قول تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا
بل أحياء عند ربهم يرزقون " [ آل عمران : 169 ] على ما تقدم في [ آل عمران ] ( 1 ) بيانه . والله أعلم .
قوله تعالى : " قال يا ليت قومي يعلمون " مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد
من قول عند ذلك الفوز العظيم الذي هو " بما غفر لي ربي " وجعلني من المكرمين " وقرى " من
المكرمين " وفي معنى تمنيه قولان : أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد
عاقبته . الثاني تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله . قال ابن عباس : نصح
قومه حيا وميتا . رفعه القشيري فقال : وفي الخبر أنه عليه السلام قال في هذه الآية " إنه
نصح لهم في حياته وبعد موته " . وقال ابن أبي ليلى : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة
عين ، علي بن أبي طالب وهو أفضلهم ، ومؤمن آل فرعون ، وصاحب يس ، فهم الصديقون .
ذكره الزمخشري مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي هذه الآية تنبيه عظيم ، ودلالة
على وجوب كظم الغيظ ، والحلم عن أهل الجهل ، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار
الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه ، والتلطف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن
الشماتة به والدعاء عليه . ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة
أصنام ، فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة على قومه ، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة
فماتوا عن آخرهم ، فذلك قوله : " وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين "
أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله ، قال قتادة ومجاهد والحسن . قال الحسن : الجند
الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء . وقيل : الجند العساكر ، أي لم أحتج في هلاكهم
إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر بل أهلكهم بصيحة واحدة . قال معناه ابن مسعود
وغيره . فقوله : " وما كنا منزلين " تصغير لأمرهم ، أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد
ذلك الرجل ، أو من بعد رفعه إلى السماء . وقيل : " وما كنا منزلين " على من كان قبلهم .
هامش
( 1 ) راجع ج 4 ص 268 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه .