وقال شهر بن حوشب ووهب بن منبه : إن سليمان عليه السلام سبى بنت ملك غزاه في البحر ،
في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون . فألقيت عليه محبتها وهي تعرض عنه ، لا تنظر
إليه إلا شزرا ، ولا تكلمه إلا نزرا ، وكان لا يرقأ لها دمع حزنا على أبيها ، وكانت في غاية من
الجمال ، ثم إنها سألته أن يصنع لها تمثالا على صورة أبيها حتى تنظر إليه ، فأمر فصنع لها
فعظمته وسجدت له ، وسجدت معها جواريها ، وصار صنما معبودا في داره وهو لا يعلم ، حتى
مضت أربعون ليلة ، وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره ، وحرقه ثم ذراه
في البحر . وقيل : إن سليمان لما أصاب ابنة ملك صيدون واسمها جرادة - فيما ذكر الزمخشري -
أعجب بها ، فعرض عليها الإسلام فأبت ، فخوفها فقالت : اقتلني ولا أسلم فتزوجها وهي
مشركة فكانت تعبد صنما لها من ياقوت أربعين يوما في خفية من سليمان إلى أن أسلمت
فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما . وقال كعب الأحبار : إنه لما ظلم الخيل بالقتل
سلب ملكه . وقال الحسن : إنه قارب بعض نسائه في شئ من حيض أو غيره . وقيل :
إنه أمر ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل ، فتزوج امرأة من غيرهم ، فعوقب على ذلك ، والله أعلم .
قوله تعالى : " وألقينا على كرسيه جسدا " قيل : شيطان في قول أكثر أهل التفسيرين ،
ألقى الله شبه سليمان عليه السلام عليه ، واسمه صخر بن عمير صاحب البحر ، وهو الذي دل
سليمان على الماس حين أمر سليمان ببناء بيت المقدس ، فصوتت الحجارة لما صنعت بالحديد ،
فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة والفصوص وغيرها ولا تصوت . قال ابن عباس :
كان ماردا لا يقوى عليه
جميع الشياطين ، ولم يزل يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان بن داود ،
وكان سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه ، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة
من نساء سليمان أم ولد له يقال لها الأمينة ، قاله شهر ووهب . وقال ابن عباس وابن جبير :
اسمها جرادة . فقام أربعين يوما على ملك سليمان وسليمان هارب ، حتى رد الله عليه الخاتم والملك .
وقال سعيد بن المسيب : كان سليمان قد وضع خاتمه تحت
فراشه ، فأخذه الشيطان من تحته .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 199
مساهمون: القرطبي
ص١٩٩