تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
قوله تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ) هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم ، فلعنوا من كذب نبيه منهم ، وأقسموا بالله جل أسمه ( لئن جاءهم نذير ) أي نبي ( ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) يعني ممن كذب الرسل من أهل الكتاب . وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل ، فلما جاءهم ما تمنوه وهو النذير من أنفسهم ، نفروا عنه ولم يؤمنوا به . ( استكبارا ) أي عتوا عن الايمان ( ومكر السيئ ) أي مكر العمل السيئ وهو الكفر وخدع الضعفاء ، وصدهم عن الايمان ليكثر أتباعهم . وأنث " من إحدى الأمم " لتأنيث أمة ، قاله الأخفش . وقرأ حمزة والأخفش " ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ " فحذف الاعراب من الأول وأثبته في الثاني . قال الزجاج : وهو لحن ، وإنما صار لحنا لأنه حذف الاعراب منه . وزعم المبرد أنه لا يجوز في كلام ولا في شعر ، لان حركات الاعراب لا يجوز حذفها ، لأنها دخلت للفرق بين المعاني . وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ بهذا ، قال : إنما كان يقف عليه ، فغلط من أدى عنه ، قال : والدليل على هذا أنه تمام الكلام ، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلام أعرب باتفاق ، والحركة في الثاني أثقل منها في الأول لأنها ضمة بين كسرتين . وقد احتج بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه ، وأنه أنشد هو وغيره : * إذا اعوججن قلت صاحب قوم ( 1 ) * وقال الآخر : فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل ( 2 )
هامش
( 1 ) تمامه : * بالدو أمثال السفين العوم * الدو : الصحراء . وأمثال السفين ، رواحل محملة تقطع الصحراء قطع السفين البحر . ( 2 ) البيت لامرئ القيس . والمستحقب : المكتسب للإثم الحامل له . والواغل : الداخل على القوم يشربون ولم يدع . قال هذا حين قتل أبوه ونذر ألا يشرب الخمر حتى يثأر به فلما أخذ ثأره حلت له يزعمه فلا يأثم في شربها إذ قد وفى بنذره فيها .