الثانية والعشرون - للحج ثلاثة أطواف : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ،
وطواف الوداع . قال إسماعيل بن إسحاق : طواف القدوم سنة ، وهو ساقط عن المراهق
وعن المكي وعن كل من يحرم بالحج من مكة . قال : والطواف الواجب الذي لا يسقط
بوجه من الوجوه ، وهو طواف الإفاضة الذي يكون بعد عرفة ، قال الله تعالى : " ثم ليقضوا
تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " . قال : فهذا هو الطواف المفترض في كتاب
الله عز وجل ، وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه كله . قال الحافظ أبو عمر : ما ذكره
إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك عند أهل المدينة ، وهي رواية ابن وهب وابن نافع
وأشهب عنه . وهو قول جمهور أهل العلم من فقهاء أهل الحجاز والعراق . وقد روى
ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك أن طواف القدوم واجب . وقال ابن القاسم في غير
موضع من المدونة ورواه أيضا عن مالك : الطواف الواجب طواف القادم مكة . وقال :
من نسي الطواف في حين دخوله مكة أو نسي شوطا منه ، أو نسي السعي أو شوطا منه حتى
رجع إلى بلده ثم ذكره ، فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى يطوف بالبيت ويركع
ويسعى بين الصفا والمروة ، ثم يهدى . وإن أصاب النساء رجع فطاف وسعى ، ثم اعتمر
وأهدى . وهذا كقوله فيمن نسي طواف الإفاضة سواء . فعلى هذه الرواية الطوافان جميعا
واجبان ، والسعي أيضا . وأما طواف الصدر وهو المسمى بطواف الوداع فروى ابن القاسم
وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء : أنه يرجع من بلده فيفيض
إلا أن يكون تطوع بعد ذلك . وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه ، وأنه يجزيه تطوعه عن
الواجب المفترض عليه من طوافه . وكذلك أجمعوا أن من فعل في حجه شيئا تطوع به من
عمل الحج ، وذلك الشئ واجب في الحج قد جاز وقته ، فإن تطوعه ذلك يصير للواجب لا للتطوع
بخلاف الصلاة . فإذا كان التطوع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول مكة
أحرى أن ينوب عن طواف الإفاضة ، إلا ما كان من الطواف بعد رمى جمرة العقبة يوم النحر
أو بعده للوداع . ورواية ابن عبد الحكم عن مالك بخلاف ذلك ، لان فيها أن طواف
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 51
مساهمون: القرطبي
ص٥١