قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب مريم ) القصة إلى آخرها . هذا ابتداء قصة ليست
من الأولى . والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم ، أي عرفهم قصتها ليعرفوا كمال قدرتنا .
( إذ انتبذت ) أي تنحت وتباعدت . والنبذ الطرح والرمي ، قال الله تعالى : " فنبذوه وراء
ظهورهم " ( 2 ) [ آل عمران : 187 ] . ( من أهلها ) أي ممن كان معها . " إذ " بدل من " مريم " بدل اشتمال ،
لان الأحيان مشتملة على ما فيها . والانتباذ الاعتزال والانفراد . واختلف الناس لم انتبذت ،
فقال السدي : انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس . وقال غيره : لتعبد الله ، وهذا حسن .
وذلك أن مريم عليها السلام كانت وقفا على سدانة المعبد ( 2 ) وخدمته والعبادة فيه ، فتنحت من
الناس لذلك ، ودخلت المسجد إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة ، فدخل عليها
جبريل عليه السلام . فقوله : ( مكانا شرقيا ) أي مكانا من جانب الشرق . والشرق بسكون
الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس . والشرق بفتح الراء الشمس . وإنما خص المكان
بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الأنوار ، وكانت الجهات الشرقية
من كل شئ أفضل من سواها ، حكاه الطبري . وحكى عن ابن عباس أنه قال : إني لاعلم
الناس لم أتخذ النصارى المشرق قبلة لقول الله عز وجل : " إذ انتبذت من أهلها مكانا
شرقيا " فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة ، وقالوا : لو كان شئ من الأرض خيرا
من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه . واختلف الناس في نبوة مريم ، فقيل :
كانت نبية بهذا الارسال والمحاورة للملك . وقيل : لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ، ورؤيتها
للملك كما رؤي جبريل [ عليه السلام ] ( 3 ) في صفة دحية [ الكلبي ] ( 3 ) حين سؤاله عن الايمان والاسلام .
والأول أظهر . وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفى في " أل عمران " ( 4 ) والحمد لله .
قوله تعالى : ( فأرسلنا إليها روحنا ) قيل : هو روح عيسى عليه السلام ، لان الله تعالى
خلق الأرواح قبل الأجساد ، فركب الروح في جسد عيسى عليه السلام الذي خلقه في بطنها .
وقيل : هو جبريل وأضيف الروح إلى الله تعالى تخصيصا وكرامة . والظاهر أنه جبريل عليه
هامش
( 1 ) راجع ج 2 ص 40 وص 305 ج 4 .
( 2 ) في ج وك : المتعبد .
( 3 ) من ج وك .
( 4 ) راجع ج 4 ص 83 وما بعدها .