قوله تعالى : ( قال ما مكنى فيه ربي خير ) فيه مسألتان :
الأولى - قوله تعالى : " قال ما مكني فيه ربي خير " المعنى قال لهم ذو القرنين
ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ولكن أعينوني بقوة الأبدان ،
أي برجال وعمل منكم بالأبدان ( 1 ) ، والآلة التي أبني بها الردم وهو السد . وهذا تأييد من الله تعالى
لذي القرنين في هذه المحاورة فإن القوم لو جمعوا له خرجا لم يعنه أحد ولو كلوه إلى البنيان
ومعونته ( 2 ) بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل وربما أربى ما ذكروه له على
الخرج . وقرأ ابن كثير وحده : " ما مكنني " بنونين . وقرأ الباقون : " ما مكني فيه ربي " .
الثانية - في هذه الآية دليل على أن الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ
بيضتهم ، وسد فرجتهم ، وإصلاح ثغورهم ، من أموالهم التي تفئ عليهم ، وحقوقهم التي تجمعها
خزانتهم تحت يده ونظره ، حتى لو أكلتها الحقوق ، وأنفذتها المؤن ، لكان عليهم جبر ذلك من
أموالهم ، وعليه حسن النظر لهم ، وذلك بثلاثة شروط : الأول : ألا يستأثر عليهم بشئ .
الثاني - أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم . الثالث - أن يسوي في العطاء بينهم على قدر
منازلهم ، فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صفرا فأطلعت الحوادث أمرا بذلوا أنفسهم قبل أموالهم ،
فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير ، وتصريف بتدبير ، فهذا ذو القرنين لما
عرضوا عليه المال في أن يكف عنهم ما يحذرونه من عادية يأجوج ومأجوج قال : لست
أحتاج إليه وإنما أحتاج إليكم . " فأعينوني بقوة " أي اخدموا بأنفسكم معي ، فان الأموال
عندي والرجال عندكم ، ورأى أن الأموال لا تغني عنهم ، فإنه إن أخذها أجرة نقص ذلك
مما يحتاج إليه ، فيعود بالاجر عليهم ، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى . وضابط الأمور
لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض ، فيؤخذ ذلك ، المال جهرا لا سرا ، وينفق بالعدل
لا بالاستئثار ، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالامر . والله تعالى الموفق للصواب .
قوله تعالى : ( آتوني زبر الحديد ) أي أعطوني زبر الحديد وناولونيها أمرهم بنقل
الآلة ، وهذا كله إنما هو استدعاء العطية التي بغير معنى الهبة ، وإنما هو استدعاء للمناولة ،
هامش
( 1 ) في ج وك : بالأيدي .
( 2 ) في ك : معونتهم .