قوله تعالى : ( والتي أحصنت فرجها ) أي واذكر مريم التي أحصنت فرجها . وإنما
ذكرها وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى عليه السلام ولهذا قال : " وجعلناها وابنها
آية للعالمين " ولم يقل آيتين لان معنى الكلام : وجعلنا شأنهما وأمرهما وقصتهما آية للعالمين .
وقال الزجاج : إن الآية فيهما واحدة ، لأنها ولدته من غير فحل وعلى مذهب سيبويه التقدير :
وجعلناها آية للعالمين وجعلنا ابنها آية للعالمين ثم حذف . وعلى مذهب الفراء : وجعلناها آية
للعالمين وابنها ، مثل قوله جل ثناؤه : " والله ورسوله أحق أن يرضوه " ( 1 ) . وقيل : إن من آياتها
أنها أول امرأة قبلت في النذر في المتعبد . ومنها أن الله عز وجل غذاها برزق من عنده
لم يجره على يد عبد من عبيده . وقيل : إنها لم تلقم ثديا قط . و " أحصنت " يعني عفت
فامتنعت من الفاحشة . وقيل : إن المراد بالفرج فرج القميص ، أي لم تعلق بثوبها ريبة ،
أي إنها طاهرة الأثواب . وفروج القميص أربعة : الكمان والأعلى والأسفل . قال السهيلي :
فلا يذهبن وهمك إلى غير هذا ، فإنه من لطيف الكناية لان القرآن أنزه معنى ، وأوزن لفظا ،
وألطف إشارة ، وأحسن عبارة من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل ، لا سيما والنفخ من روح
القدس بأمر القدوس ، فأضف القدس إلى القدوس ، ونزه المقدسة المطهرة عن الظن الكاذب
والحدس . " فنفخنا فيها من روحنا " يعني أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها ، فأحدثنا
بذلك النفخ المسيح في بطنها . وقد مضى هذا في " النساء " ( 2 ) و " مريم " فلا معنى للإعادة .
" آية " أي علامة وأعجوبة للخلق ، وعلما لنبوة عيسى ، ودلالة على نفوذ قدرتنا فيما نشاء .
قوله تعالى : إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ( 92 )
قوله تعالى : ( إن هذه أمتكم أمة واحدة ) لما ذكر الأنبياء قال : هؤلاء كلهم مجتمعون
على التوحيد ، فالأمة هنا بمعنى الدين الذي هو الاسلام ، قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما .
فأما المشركون فقد خالفوا الكل . ( وأنا ربكم ) أي إلهكم وحدي . ( فاعبدوني ) أي
أفردوني بالعبادة . وقرأ عيسى بن عمر وأبن أبي إسحاق : " إن هذه أمتكم أمة واحدة " ورواها
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 193 فما بعد .
( 2 ) راجع ج 6 ص 22 فما بعد .