وروى عنه ميمون بن مهران قال : إمساك العصا سنة للأنبياء ، وعلامة للمؤمن . وقال الحسن
البصري : فيها ست خصال ، سنة للأنبياء ، وزينة الصلحاء ، وسلاح على الأعداء ، وعون
للضعفاء ، وغم المنافقين ، وزيادة في الطاعات . ويقال : إذا كان مع المؤمن العصا يهرب
منه الشيطان ، ويخشع منه المنافق والفاجر ، وتكون قبلته إذا صلى ، وقوة إذا أعيا . ولقي
الحجاج أعرابيا فقال : من أين أقبلت يا أعرابي ؟ قال : من البادية . قال : وما في يدك ؟
قال : عصاي أركزها لصلاتي ( 1 ) ، وأعدها لعداتي ، وأسوق بها دابتي ، وأقوى بها على سفري ،
وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي ، وأثب بها النهر ، وتؤمنني من العثر ، وألقي عليها كسائي
فيقيني الحر ، ويدفئني من القر ، وتدني إلي ما بعد مني ، وهي محمل سفرتي ، وعلاقة إداوتي ،
أعصي بها عند الضراب ، وأقرع بها الأبواب ، وأتقي بها عقور الكلاب ، وتنوب عن الرمح
في الطعان ، وعن السيف عند منازلة الاقران ، ورثتها عن أبي ، وأورثها بعدي ابني ، وأهش
بها على غنمي ، ولي فيها مآرب أخرى ، كثيرة لا تحصى .
قلت : منافع العصا كثيرة ، ولها مدخل في مواضع من الشريعة : منها أنها تتخذ قبلة
في الصحراء ، وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام عنزة ( 2 ) تركز له فيصلي إليها ، وكان إذا خرج
يوم العيد أم بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها ، وذلك ثابت في الصحيح . والحربة
والعنزة والنيزك والآلة أسماء لمسمى واحد . وكان له محجن وهو عصا معوجة الطرف يشير به
إلى الحجر إذا لم يستطع أن يقبله ، ثابت في الصحيح أيضا . وفي الموطأ عن السائب بن يزيد
أنه قال : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس
بإحدى عشرة ركعة ، وكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام ،
وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر . وفي الصحيحين : أنه عليه الصلاة والسلام كان له
مخصرة ( 3 ) . والاجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئا على سيف أو عصا ، فالعصا
مأخوذة من أصل كريم ، ومعدن شريف ، ولا ينكرها إلا جاهل . وقد جمع الله لموسى
هامش
( 1 ) في ج : لصلواتي .
( 2 ) العنزة : مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا وفيها سنان مثل سنان الرمح .
( 3 ) المخصرة بالخاء المعجمة والصاد المهملة : ما يختصره الانسان بيده فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة
أو قضيب وقد يتكئ عليه . النهاية .