مبعدون " ( 1 ) قالوا : فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده منها . وكان هؤلاء يقرءون " ثم "
بفتح الثاء " ننجي الذين اتقوا " . واحتج عليهم الآخرون أهل المقالة الأولى بأن معنى قوله :
" أولئك عنها مبعدون " عن العذاب فيها والاحراق بها . قالوا : فمن دخلها وهو لا يشعر
بها ولا يحس منها وجعا ولا ألما فهو مبعد عنها في الحقيقة . ويستدلون بقوله تعالى :
" ثم ننجي الذين اتقوا " بضم الثاء ف " ثم " تدل على نجاء بعد الدخول .
قلت : وفي صحيح مسلم ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون اللهم
سلم سلم ) قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : ( دحض مزلة ( 2 ) فيه خطاطيف وكلاليب
وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح
وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم )
الحديث . وبه أحتج من قال إن الجواز على الصراط هو الورود الذي تضمنته هذه الآية
لا الدخول فيها . وقالت فرقة : بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب . وذلك أنهم يحضرون
موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب ثم ينجي الله
الذين اتقوا مما نظروا إليه ويصار بهم إلى الجنة " ونذر الظالمين " أي يؤمر بهم إلى النار
قال الله تعالى " ولما ورد ماء مدين ) ( 3 ) أي أشرف عليه لا أنه دخله . وقال زهير :
فلما وردن الماء زرقا ( 4 ) جمامه * وضعن عصي الحاضر المتخيم
وروت حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يدخل النار أحد من أهل بدر
والحديبية ) قالت فقلت : يا رسول الله وأين قول الله تعالى " وإن منكم إلا واردها "
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فمه " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " ) .
أخرجه مسلم من حديث أم مبشر قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة .
هامش
( 1 ) راجع ص 345 من هذا الجزء .
( 2 ) دحض مزلة : هما بمعنى وهو الموضع الذي نزل فيه الاقدام
ولا تستقر .
( 3 ) راجع ج 13 ص 267 .
( 4 ) يقال : ماء أزرق إذا كان صافيا . وجمام جمع
جم وجمة وهو الماء المجتمع . والحاضر : النازل على الماء . والمتخيم : المقيم وأصله من تخيم إذا نصب الخيمة .
يصف زهير الظعائن بأنهن في أمن ومنعة فإذا نزلن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه . والبيت من معلقته .