قوله تعالى : ( إلهكم إله واحد ) لما بين استحالة الاشراك بالله تعالى بين أن المعبود
واحد لا رب غيره ولا معبود سواه . ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ) أي لا تقبل
الوعظ ولا ينجع فيها الذكر ، وهذا رد على القدرية . ( وهم مستكبرون ) أي متكبرون
متعظمون عن قبول الحق . وقد تقدم في " البقرة ( 1 ) " معنى الاستكبار . ( لا جرم أن الله يعلم
ما يسرون وما يعلنون ) أي من القول والعمل فيجازيهم . قال الخليل : " لا جرم " كلمة
تحقيق ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال : لا جرم سيندمون . أي حقا أن لهم
النار وقد مضى القول في هذا في هود " ( 2 ) " مستوفى . ( إنه لا يحب المستكبرين ) أي
لا يثيبهم ولا يثنى عليهم . وعن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا بينهم ( 3 ) وهم
يأكلون فقالوا : الغذاء يا أبا عبد الله ، فنزل وجلس معهم وقال : ( إنه لا يحب المستكبرين )
فلما فرغ قال : قد أجبتكم فأجيبوني ، فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم
وانصرفوا . قال العلماء : وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر ، فإنه فسق يلزمه
الاعلان ، وهو أصل العصيان كله . وفى الحديث الصحيح " إن المتكبرين يحشرون أمثال
الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم " . أو كما قال صلى الله عليه وسلم :
" تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها " .
قوله تعالى : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير
الأولين ( 24 )
قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ) يعنى وإذا قيل لمن تقدم ذكره ممن
لا يؤمن بالآخرة وقلوبهم منكرة بالبعث " ماذا أنزل ربكم " . قيل : القائل النضر بن الحارث ،
وأن الآية نزلت فيه ، وكان خرج إلى الحيرة فاشترى أحاديث ( كليلة ودمنة ) فكان يقرأ
على قريش ويقول : ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين ، أي ليس هو من تنزيل
هامش
( 1 ) راجع ج 1 ص 296 .
( 2 ) راجع ج 9 ص 20 .
( 3 ) في ج وى : لهم .