قوله تعالى : ( وأعرض عن المشركين ) أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة
بقولهم ، فقد برأك الله عما يقولون . وقال ابن عباس : هو منسوخ بقوله " فاقتلوا المشركين ( 1 ) " .
وقال عبد الله بن عبيد : ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزل قوله تعالى :
" فاصدع بما تؤمر " فخرج هو وأصحابه . وقال مجاهد : أراد الجهر بالقرآن
في الصلاة . " وأعرض عن المشركين " لا تبال بهم . وقال ابن إسحاق : لما تمادوا
في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى ( فاصدع بما تؤمر
وأعرض عن المشركين . إنا كفيناك المستهزئين . الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف
يعلمون ) . والمعنى : اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله ، فإن الله كافيك من أذاك
كما كفاك المستهزئين ، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة ، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم ،
والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة . والأسود بن عبد يغوث ،
والحارث بن الطلاطلة ، أهلكهم الله جميعا ، قيل يوم بدر في يوم واحد ، لاستهزائهم برسول الله
صلى الله عليه وسلم . وسبب هلاكهم فيما ذكر ابن إسحاق : أن جبريل أتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت ، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر به الأسود
ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمى ووجعت عينه ، فجعل يضرب برأسه الجدار .
ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا . ( يقال :
حبن ( بالكسر ) حبنا وحبن للمفعول عظم بطنه بالماء الأصفر ، فهو أحبن ، والمرأة حبناء ، قاله
في الصحاح ) . ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله ، وكان أصابه
قبل ذلك بسنين ، وهو يجر سبله ( 2 ) ، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم
من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخدش وليس بشئ ، فانتقض به فقتله . ومر به
العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله ، فخرج على حمار له يريد الطائف ، فربض به على
شبرمة ( 3 ) فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته . ومر به الحارث بن الطلاطلة ، فأشار إلى رأسه
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 72 .
( 2 ) السبل ( بالتحريك ) : الثياب المسبلة ، يفعل ذلك كبرا واختيالا .
( 3 ) السبرق : نبي حجازي يؤكل ، وله شوك .