الثالثة - قوله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) الضمير للعسل ، قال الجمهور .
أي في العسل شفاء للناس . وروى عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك والفراء
وابن كيسان : الضمير للقرآن ، أي في القرآن شفاء . النحاس : وهذا قول حسن ، أو فيما قصصنا
عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس . وقيل : العسل فيه شفاء ، وهذا القول بين أيضا ،
لان أكثر الأشربة والمعجونات التي يتعالج بها أصلها من العسل . قال القاضي أبو بكر
ابن العربي : من قال إنه القرآن بعيد ما أراه يصح عنهم ، ولو صح نقلا لم يصح عقلا ، فإن
مساق الكلام كله للعسل ، ليس للقرآن فيه ذكر . قال ابن عطية : وذهب قوم من أهل
الجهالة إلى أن هذه الآية يراد بها أهل البيت وبنو هاشم ، وأنهم النحل ، وأن الشراب القرآن
والحكمة ، وقد ذكر هذا بعضهم في مجلس المنصور أبى جعفر العباسي ، فقال له رجل ممن
حضر : جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم ، فأضحك الحاضرين وبهت
الآخر وظهرت سخافة قوله .
الرابعة - اختلف العلماء في قوله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) هل هو على عمومه
أم لا ، فقالت طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد ، فروى عن ابن عمر أنه كان
لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا ، حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا .
وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويستمشى بالعسل ويتداوى بالعسل .
وروى أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له : ألا نعالجك ؟ فقال : ائتوني بالماء ،
فإن الله تعالى يقول : " ونزلنا من السماء ماء ( 1 ) مباركا " ثم قال : ائتوني بعسل ، فإن الله تعالى
يقول : " فيه شفاء للناس " وائتوني بزيت ، فإن الله تعالى يقول : " من شجرة مباركة ( 2 ) "
فجاءوه بذلك كله فخلطه جميعا ثم شربه فبرئ . ومنهم من قال : إنه على العموم إذا خلط بالخل
ويطبخ فيأتي شرابا ينتفع به في كل حالة من كل داء . وقالت طائفة : إن ذلك على الخصوص
ولا يقتضى العموم في كل علة وفى كل إنسان ، بل إنه خبر عن أنه يشفى كما يشفى غيره من
هامش
( 1 ) راجع ج 17 ص 6 . والظاهر أن المراد بالمبارك ماء المطر فإنه في غاية النقاء فهو شفاء من الأمراض مطهر
من الجراثيم . محققة .
( 2 ) راجع ج 12 ص 262 .