ما شرح له فيه ، ويخشى الله ويتقيه ، ويراقبه ويستحييه . فإنه حمل أعباء الرسل ، وصار
شهيدا في القيامة على من خالف من أهل الملل ، قال الله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمه وسطا
لتكونوا شهداء على الناس ( 1 ) " . ألا وإن الحجة على من علمه فأغفله ، أوكد منها على من قصر
عنه وجهله . ومن أوتى علم القرآن فلم ينتفع ، وزجرته نواهيه فلم يرتدع ، وارتكب من
المآثم قبيحا ، ومن الجرائم فضوحا ، كان القرآن حجه عليه ، وخصما لديه ، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : " القرآن حجه لك أو عليك " خرجه مسلم . فالواجب على من خصه
الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته ، ويتدبر حقائق عبارته ، ويتفهم عجائبه ، ويتبين
غرائبه ، قال الله تعالى : " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ( 2 ) " . وقال الله تعالى :
" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ( 3 ) " . جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته ، ويتدبره
حق تدبره ، ويقوم بقسطه ، ويفي بشرطه ، ولا يلتمس الهدى في غيره ، وهدانا لأعلامه
الظاهرة ، وأحكامه القاطعة الباهرة ، وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة ، فإنه أهل التقوى
وأهل المغفرة . ثم جعل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بيان ما كان منه مجملا ، وتفسير ما كان
منه مشكلا ، وتحقيق ما كان منه محتملا ، ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص به ،
ومنزلة التفويض إليه ، قال اله تعالى : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ( 4 ) " .
ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباط ما نبه على معانيه ، وأشار
إلى أصوله ليتوصلوا باجتهاد فيه إلى علم المراد ، فيمتازوا بذلك عن غيرهم ، ويختصوا بثواب
اجتهادهم ، قال الله تعالى : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ( 5 ) " .
فصار الكتاب أصلا والسنة له بيانا ، واستنباط العلماء له إيضاحا وتبيانا . فالحمد لله الذي جعل
صدورنا أوعية كتابه ، وآذاننا موارد سنن نبيه ، وهممنا مصروفة إلى تعلمهما والبحث عن
معانيهما وغرائبهما ، طالبين بذلك رضا رب العالمين ، ومتدرجين به إلى علم الملة والدين .
( وبعد * فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع ، الذي استقل بالسنة
والفرض ، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض ، رأيت أن أشتغل به مدى عمري ، وأستفرغ
هامش
( 1 ) آية 143 سورة البقرة .
( 2 ) آية 29 سورة ص .
( 3 ) آية 24 سورة القتال .
( 4 ) آية 44 سورة النحل .
( 5 ) آية 11 سورة المجادلة .