ووجوه إعجاز القرآن عشرة : منها النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفى غيرها ، لأن نظمه
ليس من نظم الشعر في شئ ، وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه : " وما علمناه الشعر
وما ينبغي له " . وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر : لقيت رجلا بمكة على
دينك يزعم أن الله أرسله ، قلت : فما يقول الناس ؟ قال يقولون : شاعر ، كاهن ، ساحر ،
وكان أنيس أحد الشعراء ، قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة ، فما هو بقولهم ، ولقد وضعت
قوله على أقراء ( 1 ) الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون .
وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا بشعر لما قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم : " حم " فصلت ، على ما يأتي بيانه هناك ( 2 ) ، فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان
وموضعه من الفصاحة والبلاغة ، بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا باعجاز
القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه .
ومنها : الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب .
ومنها : الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال ، وتأمل ذلك في سورة " ق والقرآن المجيد ( 3 ) "
إلى آخرها ، وقوله سبحانه : " والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ( 4 ) " إلى آخر السورة ، وكذلك
قوله سبحانه : " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ( 5 ) " إلى آخر السورة . قال ابن الحصار :
فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق ، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره ،
. لا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول : " لمن الملك اليوم ( 6 ) " ولا أن يقول : " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ( 7 ) " .
قال ابن الحصار : وهذه الثلاثة من النظم ، والأسلوب ، والجزالة ، لازمة كل سورة ،
بل هي لازمة كل آية ، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام
البشر ، وبها وقع التحدي والتعجيز ، ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة ، من غير أن
هامش
( 1 ) أقراء الشعر : أنواعه وطرقه وبحوره وأنحاؤه .
( 2 ) راجع ج 15 ص 337 .
( 3 ) راجع ج 17 ص 1 .
( 4 ) راجع ج 15 ص 277 .
( 5 ) راجع ج 9 ص 376 .
( 6 ) راجع ج 15 ص 300 .
( 7 ) راجع ج 9 ص 296 .