يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شئ ) . فقال زياد بن لبيد الأنصاري :
كيف يختلس منا وقد قرآنا القرآن ! فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا . فقال : ( ثكلتك
أمك يا زياد أن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى
فماذا تغني عنهم ) وذكر الحديث ، وسيأتي . وخرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا
عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزياد :
( ثكلتك أمك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى ) . وفي الموطأ عن
عبد الله بن مسعود قال لانسان : " إنك في زمان كثير فقهاؤه ، قليل قراؤه ، تحفظ فيه حدود
القرآن وتضيع حروفه ، قليل من يسأل ، كثير من يعطي ، يطيلون الصلاة ويقصرون فيه
الخطبة ، يبدءون فيه أعمالهم قبل أهوائهم . وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه ، كثير
قراؤه ، تحفظ فيه حروف القرآن ، وتضيع حدوده ، كثير من يسأل ، قليل من يعطي ، يطيلون
فيه الخطبة ، ويقصرون الصلاة ، يبدءون فيه أهواءهم قبل أعمالهم " . وهذه نصوص تدل
على ما ذكرنا . وقد قال يحيى : سألت ابن نافع عن قوله : يبدءون أهواءهم قبل أعمالهم ؟
قال يقول : يتبعون أهواءهم ويتركون العمل بالذي افترض عليهم . وتقدم القول في معنى
قوله : " لعلكم تتقون " ( 1 ) . فلا معنى لإعادته .
قوله تعالى : ( ثم توليتم ) تولى تفعل ، وأصله الاعراض والادبار عن الشئ بالجسم ،
ثم استعمل في الاعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا . وقوله :
( من بعد ذلك ) أي من بعد البرهان ، وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل . وقوله : ( فلولا
فضل الله عليكم ) " فضل " مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف لا يجوز إظهاره ،
لان العرب استغنت عن إظهاره ، إلا أنهم إذا أرادوا إظهاره جاءوا بأن ، فإذا جاءوا بها لم
يحذفوا الخبر . والتقدير فلولا فضل الله تدارككم . ( ورحمته ) عطف على " فضل " أي
هامش
( 1 ) راجع ص 227 من هذا الجزء .