قلت : هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر
العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على نصيحته صفدا ( 1 ) بل بين
الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان ) . وفي التنزيل " يجاهدون
في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " ( 2 ) [ المائدة 54 ] .
قوله تعالى : ( وإياي فاتقون ) قد تقدم معنى التقوى ( 3 ) وقرئ " فاتقوني " بالياء
وقد تقدم . وقال سهل بن عبد الله قوله " وإياي فاتقون " قال موضع علمي السابق
فيكم . " وإياي فارهبون " قال موضع المكر والاستدراج ( 4 ) لقول الله تعالى :
" سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " ( 5 ) [ الأعراف : 182 ] وقوله : " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " ( 5 ) [ الأعراف : 99 ]
فما استثنى نبيا ولا صديقا .
قوله تعالى : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم
تعلمون ( 42 )
قوله تعالى : ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) اللبس : الخلط . لبست عليه الامر
ألبسه ، إذا مزجت بينه بمشكلة وحقه بباطله قال الله تعالى " وللبسنا عليهم
ما يلبسون " ( 6 ) [ الانعام : 9 ] . وفى الامر لبسة أي ليس بواضح . ومن هذا المعنى قول علي رضي الله عنه
للحارث بن حوط يا حارث إنه ملبوس عليك ، إن الحق لا يعرف بالرجال ، اعرف الحق
تعرف أهله . وقالت الخنساء :
ترى الجليس يقول الحق تحسبه * رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا
صدق مقالته واحذر عداوته * والبس عليه أمورا مثل ما لبسا
هامش
( 1 ) الصفد ( بالتحريك ) : العطاء .
( 2 ) راجع ج 6 ص 220 ( 3 ) راجع ص 161 وما بعدها .
( 4 ) العبارة هاهنا غير واضحة . والذي في البحر لأبي حيان : ( وقال سهل : ( وإياي فارهبون ) موضع
اليقين بمعرفته ( وإياي فاتقون ) موضع العلم السابق وموضع المكر والاستدراج ) .
( 5 ) راجع ج 7 ص 329 وص 254 .
( 6 ) راجع ج 6 ص 394 .