قلت : قول أبي أمامة هذا عموم في جميع بني آدم . وقد يحتمل أن يخص من ذلك نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا . وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن
أحلام بني آدم من غير الأنبياء . والله أعلم .
قلت : والقول الأول أيضا حسن ، فظنا أن المراد العين وكان المراد الجنس ، كقول
النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال : ( هذان حرامان على ذكور أمتي ) .
وقال في خبر آخر : ( هذان مهلكان أمتي ) . وإنما أراد الجنس لا العين .
الحادية عشرة - يقال : إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها
- على ما يأتي بيانه - وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس المخدة ، وهي أول فتنة دخلت
على الرجال من النساء ، فقال : ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد ، لأنه علم منهما أنهما
كانا يحبان الخلد ، فأتاهما من حيث أحبا - " حبك الشئ يعمي ويصم " - فلما قالت حواء
لآدم أنكر عليها وذكر العهد ، فألح على حواء وألحت حواء على آدم ، إلى أن قالت : أنا آكل
قبلك حتى إن أصابني شئ سلمت أنت ، فأكلت فلم يضرها ، فأتت آدم فقالت : كل فإني قد
أكلت فلم يضرني ، فأكل فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب ، لقول الله تعالى :
" ولا تقربا هذه الشجرة " فجمعهما في النهي ، فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتى وجد المنهي
عنه منهما جميعا ، وخفيت على آدم هذه المسألة ، ولهذا قال بعض العلماء : إن من قال
لزوجتيه أو أمتيه : إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو حرتان ، إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول
إحداهما . وقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال ، قال ابن القاسم : لا تطلقان
ولا تعتقان إلا باجتماعهما في الدخول ، حملا على هذا الأصل وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ .
وقاله سحنون . وقال ابن القاسم مرة أخرى : تطلقان جميعا وتعتقان جميعا بوجود الدخول من
إحداهما ، لان بعض الحنث حنث ، كما لو حلف ألا يأكل هذين الرغيفين فإنه بحنث بأكل
أحدهما بل بأكل لقمة منهما . وقال أشهب : تعتق وتطلق التي دخلت وحدها ، لان دخول
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 307
مساهمون: القرطبي
ص٣٠٧