فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة ، حكاه
المهدوي وغيره . وحكى الثعلبي عن ابن عباس : أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة
يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم ، وخلقت الملائكة من نور ، وكان اسمه بالسريانية
عزازيل ، وبالعربية الحارث ، وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له
سلطانها وسلطان الأرض ، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما ، وكان يسوس
ما بين السماء والأرض ، فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة ، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى
الله فمسخه شيطانا رجيما . فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه ، وإن كانت خطيئته
في معصية فارجه ، وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية ، وخطيئة إبليس كبرا . والملائكة
قد تسمى جنا لاستتارها ، وفي التنزيل : " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ( 1 ) " [ الصافات : 158 ] ، وقال الشاعر ( 2 )
في ذكر سليمان عليه السلام :
وسخر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر
وأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فاشتق اسمه من اسمها ، والله أعلم . وإبليس
وزنه إفعيل ، مشتق من الابلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى . ولم ينصرف ، لأنه معرفة
ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية ، قاله أبو عبيدة وغيره . وقيل : هو أعجمي لا اشتقاق
له فلم ينصرف للعجمة والتعريف ، قاله الزجاج وغيره .
السادسة - قوله تعالى : ( أبى ) معناه امتنع من فعل ما أمر به ، ومنه الحديث
الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قرأ ابن آدم السجدة [ فسجد ( 3 ) ]
اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله - وفي رواية : يا ويلي - أمر ابن آدم بالسجود فسجد
فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ) . خرجه مسلم . يقال : أبى يأبى إباء ، وهو
حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق ، وقد قيل : إن الألف
مضارعة لحروف الحلق . قال الزجاج : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : القول
هامش
( 1 ) راجع ج 15 ص 134 ( 2 ) هو أعشى قيس ، كما في تفسير الطبري وأبي حيان .
( 3 ) الزيادة من صحيح مسلم .