محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة
وفساد ذات البين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لا يغل ( 1 ) عليهن قلب مؤمن
إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الامر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة ) .
الثامنة : فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله ،
خلافا لبعض الناس حيث قال : لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ودليلنا أن عمر
رضي الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك ، ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر
إلى عدد يعقدونه كسائر العقود . قال الإمام أبو المعالي : من انعقدت له الإمامة بعقد واحد
فقد لزمت ، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر ، قال : وهذا مجمع عليه .
التاسعة : فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك
يكون طريقا رابعا ، وقد سئل سهل بن عبد الله التستري : ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا
وهو إمام ؟ قال : تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه ، ولا تنكر فعاله ولا تفر منه ، وإذا
ائتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه . وقال ابن خويز منداد : ولو وثب على الامر من
يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة ، والله أعلم .
العاشرة : واختلف في الشهادة على عقد الإمامة ، فقال بعض أصحابنا : إنه لا يفتقر
إلى الشهود ، لان الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع ، وليس ها هنا سمع قاطع يدل على إثبات
الشهادة . ومنهم من قال : يفتقر إلى شهود ، فمن قال بهذا احتج بأن قال : لو لم تعقد فيه
الشهادة أدى إلى أن يدعى كل مدع ( 2 ) أنه عقد له سرا ، وتؤدي إلى الهرج والفتنة ، فوجب أن
تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان ، خلافا للجبائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد
ومعقود له ، لان عمر حيث جعلها شورى ( 3 ) في ستة دل على ذلك . ودليلنا أنه لا خلاف بيننا
هامش
( 1 ) روى ( لا يغل ) بضم الياء وكسر الغين ، أي لا يكون معها في قلبه غش ودغل ونفاق . وروى ( لا يغل )
بفتح الياء ، أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق .
( 2 ) في تفسير العلامي : ( مبتدع ) .
( 3 ) الستة : هم الذين نصح عمر - رضي الله عنه - للمسلمين أن يختاروا واحدا منهم لولاية الامر بعده حين
طلب إليه أن يعهد عهدا . وهم : علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة
ابن عبيد الله . راجع قصة الشورى في تاريخ ابن الأثير ( ج 3 ص 50 ) طبع أوروبا .