قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) فيه عشر مسائل :
الأولى : " خلق " معناه اخترع وأوجد بعد العدم . وقد يقال في الانسان : " خلق " عند
إنشائه شيئا ، ومنه قول الشاعر :
من كان يخلق ما يقو * ل فحيلتي فيه قليله
وقد تقدم ( 1 ) هذا المعنى . وقال ابن كيسان : " خلق لكم " أي من أجلكم . وقيل : المعنى أن
جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم . وقيل : إنه دليل على التوحيد والاعتبار .
قلت : وهذا هو الصحيح على ما نبينه . ويجوز أن يكون عني به ما هم إليه محتاجون
من جميع الأشياء .
الثانية - استدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان
مثلها - كقوله : " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ( 2 ) " [ الجاثية : 13 ] الآية - حتى يقوم
الدليل على الحظر . وعضدوا هذا بأن قالوا : إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق
فلم تخلق عبثا ، فلا بد لها من منفعة . وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه
بذاته ، فهي راجعة إلينا . ومنفعتنا إما في نيل لذتها ، أو في اجتنابها لنختبر بذلك ،
أو في اعتبارنا بها . ولا يحصل شئ من تلك الأمور إلا بذوقها ، فلزم أن تكون مباحة .
وهذا فاسد ، لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة ، بل خلقها كذلك لأنه لا يجب
عليه أصل المنفعة ، بل هو الموجب . ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه ، ولا حصول بعض
تلك المنافع إلا بالذوق ، بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين .
ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة ، ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر .
وتوقف آخرون وقالوا : ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا
في نفسه ، ولا معين قبل ورود الشرع ، فتعين الوقف إلى ورود الشرع . وهذه الأقاويل
الثلاثة للمعتزلة . وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكية والصيرفي في هذه
هامش
( 1 ) راجع ص 226 من هذا الجزء .
( 2 ) راجع ج 16 ص 160