أشركوا ، لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله . ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك
بالله وصار ناقضا للعهد . وقيل : " كيف " لفظه لفظ الاستفهام وليس به ، بل هو تقرير
وتوبيخ ، أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه ! قال الواسطي : وبخهم بهذا غاية
التوبيخ ، لان الموات والجماد لا ينازع صانعه في شئ ، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية .
قوله تعالى : ( وكنتم أمواتا ) هذه الواو واو الحال ، وقد مضمرة . قال الزجاج :
التقدير وقد كنتم ، ثم حذفت قد . وقال الفراء : " أمواتا " خبر " كنتم " .
" فأحياكم ثم يميتكم " هذا وقف التمام ، كذا قال أبو حاتم . ثم قال : " ثم يحييكم "
واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين ، وكم من موتة وحياة للانسان ؟
فقال ابن عباس وابن مسعود : أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم - أي
خلقكم - ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم ، ثم يحييكم يوم القيامة . قال ابن عطية : وهذا
القول هو المراد بالآية ، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لاقرارهم بهما ، وإذا أذعنت نفوس
الكفار لكونهم أمواتا معدومين ، ثم للاحياء في الدنيا ، ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الاحياء
الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها . قال غيره : والحياة التي تكون في القبر على هذا
التأويل في حكم حياة الدنيا . وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه
في الدنيا . وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم ، ثم أخرجكم من ظهره كالذر ، ثم يميتكم موت
الدنيا ثم يبعثكم . وقيل : كنتم أمواتا - أي نطفا - في أصلاب الرجال وأرحام النساء ،
ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم ، ثم يميتكم بعد هذه الحياة ، ثم يحييكم في القبر للمسألة ، ثم يميتكم
في القبر ، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر ، وهي الحياة التي ليس بعدها موت .
قلت : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات ، وثلاث إحياءات . وكونهم موتى في ظهر
آدم ، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ،
فعلى هذا تجئ أربع موتات وأربع إحياءات . وقد قيل : إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم
عليه السلام كالهباء ثم أماتهم ، فيكون على هذا خمس موتات ، وخمس إحياءات . وموتة سادسة
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 249
مساهمون: القرطبي
ص٢٤٩