تلك الأحوال بالدعاوي إلى أحوال الأكابر ، كأن تضئ عليه أحوال الإرادة لو صححها
بملازمة آدابها ، فلما مزجها بالدعاوي أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاويه
لا يبصر طريق الخروج منها . وروي عن ابن عباس أن المراد اليهود ، لما نصر النبي صلى
الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا : هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية ، فلما
نكب بأحد ارتدوا وشكوا ، وهذا ضعيف . والآية في المنافقين ، وهذا أصح عن ابن عباس ،
والمعنى يتناول الجميع .
قوله تعالى : ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) " لو " حرف تمن وفيه معنى الجزاء ،
وجوابه اللام . والمعنى : ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الاسلام بالاستيلاء
عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم . وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا ،
أو لأنهما أشرف ما في الانسان . وقرئ " بأسماعهم " على الجمع ، وقد تقدم الكلام في هذا ( 1 ) .
قوله تعالى : ( إن الله على كل شئ قدير ) عموم ، ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه
تعالى بالقدرة عليه . وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير ، فهو سبحانه قدير قادر
مقتدر . والقدير أبلغ في الوصف من القادر ، قاله الزجاجي . وقال الهروي : والقدير والقادر
بمعنى واحد ، يقال : قدرت على الشئ أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا ، أي
قدرة . والاقتدار على الشئ : القدرة عليه . فالله عز وجل قادر مقتدر قدير على كل ممكن
يقبل الوجود والعدم . فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر ، له قدرة بها فعل
ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره . ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب
بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة ، وأنه غير مستبد بقدرته . وإنما خص هنا
تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها ، لأنه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة ،
فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك . والله أعلم .
فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين ، أربع آيات في وصف المؤمنين ، ثم تليها آيتان في ذكر
الكافرين ، وبقيتها في المنافقين . وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج ، وقاله مجاهد أيضا .
هامش
( 1 ) راجع المسألة الثامنة ص 190 من هذا الجزء .