خلاف ما أبطنوه من الكفر ، ليحقنوا دماءهم وأموالهم ، ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا ،
قاله جماعة من المتأولين . وقال أهل اللغة : أصل المخدع في كلام العرب الفساد ، حكاه
ثعلب عن ابن الأعرابي . وأنشد :
أبيض اللون لذيذ طعمه * طيب الريق إذا الريق خدع ( 1 )
قلت : ف " - يخادعون الله " على هذا ، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى
بالرياء . وكذا جاء مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما يأتي . وفي التنزيل : " يراءون
الناس ( 2 ) " . [ النساء : 142 ] وقيل : أصله الاخفاء ، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشئ ، حكاه ابن فارس
وغيره . وتقول العرب : انخدع الضب في جحره .
قوله تعالى : ( وما يخادعون إلا أنفسهم ) نفي وإيجاب ، أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم .
ومن كلامهم : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه . وهذا صحيح ، لان الخداع إنما يكون
مع من لا يعرف البواطن ، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع
نفسه . ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع ، وقد تقدم
من قوله عليه السلام أنه قال : ( لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع
لو يشعر ) قالوا : يا رسول الله ، وكيف يخادع الله ؟ قال : ( تعمل بما أمرك الله به وتطلب به
غيره ) . وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى : " الله يستهزئ بهم " [ البقرة : 15 ] .
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : " يخادعون " في الموضعين ، ليتجانس اللفظان . وقرأ عاصم
وحمزة والكسائي وابن عامر : " يخدعون " الثاني . والمصدر خدع ( بكسر الخاء ) وخديعة ، حكى
ذلك أبو زيد . وقرأ مورق العجلي : " يخدعون الله " ( بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال ) على
التكثير . وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح
الدال ، على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم ، فحذف حرف الجر ، كما قال تعالى : " واختار
موسى قومه " [ الأعراف : 155 ] أي من قومه .
هامش
( 1 ) قاله سويد بن أبي كاهل . يصف ثغر امرأة .
( 2 ) راجع ج 5 ص 422