السادسة - واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أولا ؟ فذهب الأكثر
إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها
تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) . رواه أبو هريرة
أخرجه مسلم . وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ثوب بالصلاة فلا
يسع إليها أحدكم ولكن ليمشي وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك ) .
وهذا نص . ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر ( 1 ) فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها
وخشوعها . وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا
خاف فواتها أسرع . وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة ، وروي عن مالك نحوه ،
وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس ، وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي
والراكب ، لان الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي .
قلت : واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى ، فيمشي كما جاء
الحديث وعليه السكينة والوقار ، لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على
خلاف ما أخبره ، فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي ، حتى يحصل له
التشبه به فيحصل له ثوابه . ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة ، وما خرجه الدارمي
في مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري
عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا توضأت فعمدت إلى المسجد
فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة ) . فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو
صحيح مما هو أقل من الاسراع وجعله كالمصلي ، وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى :
" فاسعوا إلى ذكر الله " ( 2 ) وأنه ليس المراد به الاشتداد على الاقدام ، وإنما عنى العمل والفعل ،
هكذا فسره مالك . وهو الصواب في ذلك والله أعلم .
هامش
( 1 ) البهز ( بالضم ) : تتابع النفس من الاعياء .
( 2 ) سورة الجمعة آية 9