ما اعرف هذا وما أراه كان وما أظن أن يكون وأنى كان ؟ وذلك لثقته برأيه وقلة معرفته
بجهالته ، فما ينفك بما يرى مما يلتبس عليه رأيه مما لا يعرف للجهل مستفيدا وللحق
منكرا وفي الجهالة متحيرا وعن طلب العلم مستكبرا .
أي بني تفهم وصيتي واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فاحبب
لغيرك ما تحب لنفسك ، وأكره له ما تكره لنفسك ، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم
وأحسن كما تحب أن يحسن إليك . واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من
الناس لك ما ترضى به لهم منك ( 1 ) ولا تقل بما لا تعلم ، بل لا تقل كلما تعلم ، ولا تقل مالا
تحب أن يقال لك .
واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الألباب ( 2 ) فإذا أنت هديت لقصدك فكن
أخشع ما تكون لربك .
واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة بعيدة وأهوال شديدة وأنه لا غنى بك فيه
عن حسن الارتياد ( 3 ) وقدر بلاغك من الزاد ( 4 ) مع خفة الظهر ، فلا تحملن على ظهرك
فوق بلاغك ، فيكون ثقلا ووبالا عليك وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك
زادك فيوافيك به حيث تحتاج إليه فاغتنمه ، واغتنم من استقرضك ( 5 ) في حال غناك
واجعل وقد قضائك في يوم عسرتك ( 6 ) .
واعلم أن أمامك عقبة كؤودا لا محالة مهبطا بك على جنة أو على نار ، المخف
هامش
( 1 ) فارض من الناس إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم ولا تطلب منهم أزيد مما تقدم لهم .
( 2 ) الاعجاب : استحسان ما يصدر عن النفس .
( 3 ) الارتياد : الطلب أصله واوي من راد يرود وحسن الارتياد : إتيانه من وجهه .
( 4 ) البلاغ بالفتح : الكفاية أي ما يكفي من العيش ولا يفضل .
( 5 ) في قوله : " من استقرضك إلخ " حث على الصدقة والمراد انك إذا أنفقت المال
على الفقراء وأهل الحاجة كان أجر ذلك وثوابه ذخيرة لك تنالها في القيامة فكأنهم حملوا عنك زادا
ويؤدونه إليك وقت الحاجة .
( 6 ) كذا وفى النهج [ واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك ] .