خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه من ذلك وعاقبه عليه . أليس يجب في عدله
وحكمه أن لا يعاقبه وهو يعلم أن عبده لا يملك عرضا من عروض الدنيا ولم يملكه
ثمن حاجته ؟ فإن عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته
وإن لم يعاقبه كذب نفسه في وعيده إياه حين أوعده بالكذب والظلم اللذين ينفيان
العدل والحكمة . تعالى عما يقولون علوا كبيرا ، فمن دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر
فقد ظلم الله ونسبه إلى الجور والعدوان ، إذ أوجب على من أجبر [ ه ] العقوبة . ومن زعم
أن الله أجبر العباد فقد أوجب على قياس قوله إن الله يدفع عنهم العقوبة . ومن زعم أن
الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده حيث يقول : " بلى من كسب
سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( 1 ) " . وقوله : " إن
الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ( 2 ) " .
وقوله : " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم
جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما ( 3 ) " ، مع آي كثيرة في هذا الفن
ممن كذب وعيد الله ويلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله الكفر وهو ممن قال الله :
" أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في
الحياة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون ( 4 ) " بل
نقول : إن الله جل وعز جازى العباد على أعمالهم ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي
ملكهم إياها ، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها
ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثله وهم لا يظلمون ( 5 ) " وقال جل ذكره : " يوم
تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية 76 .
( 2 ) سورة النساء آية 11 .
( 3 ) سورة النساء آية 59 .
( 4 ) سورة البقرة آية 79 .
( 5 ) سورة الأنفال آية 161 .