قضاءك من كان كذلك وهم قليل . ثم أكثر تعهد قضائه ( 1 ) وافتح له في البذل ما يزيح
علته ( 2 ) ويستعين به وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع
فيه غيره من خاصتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرجال إياه عندك . وأحسن توقيره في
صحبتك وقربه في مجلسك وأمض قضاءه وأنفذ حكمه واشدد عضده واجعل أعوانه
خيار من ترضى من نظرائه من الفقهاء وأهل الورع والنصيحة لله ولعباد الله ، ليناظرهم فيما
شبه عليه ويلطف عليهم لعلم ما غاب عنه ويكونون شهداء على قضائه بين الناس إن شاء الله .
ثم حملة الاخبار لأطرافك قضاة تجتهد فيهم نفسه ( 3 ) لا يختلفون ولا يتدابرون
في حكم الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فإن الاختلاف في الحكم إضاعة للعدل وغرة في
الدين ( 4 ) وسبب من الفرقة . وقد بين الله ما يأتون وما ينفقون وأمر برد ما لا يعلمون
إلى من استودعه الله علم كتابه واستحفظه الحكم فيه ، فإنما اختلاف القضاة في دخول
البغى بينهم واكتفاء كل امرئ منهم برأيه دون من فرض الله ولايته ، ليس يصلح الدين
ولا أهل الدين على ذلك . ولكن على الحاكم أن يحكم بما عنده من الأثر والسنة ، فإذا
أعياه ذلك ( 5 ) رد الحكم إلى أهله ، فإن غاب أهله عنه ناظر غيره من فقهاء المسلمين ليس
له ترك ذلك إلى غيره وليس لقاضيين من أهل الملة أن يقيما على اختلاف في [ ال ] حكم دون ما رفع
ذلك إلى ولي الأمر فيكم فيكون هو الحاكم بما علمه الله ، ثم يجتمعان على حكمه فيما
وافقهما أو خالفهما فانظر في ذلك نظرا بليغا فإن هذا الدين قد كان أسيرا بأيدي الأشرار
يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا . واكتب إلى قضاة بلدانك فليرفعوا إليك كل
حكم اختلفوا فيه على حقوقه . ثم تصفح تلك الأحكام فما وافق كتاب الله وسنة
نبيه والأثر من إمامك فأمضه واحملهم عليه . وما اشتبه عليك فاجمع له الفقهاء
هامش
( 1 ) تعهد : تفقد وتحفظ .
( 2 ) يزيح : يبعد ويزول وفى النهج [ يزيل ] . أي وسع له حتى يكون ما يأخذه كافيا لمعيشته .
( 3 ) كذا . وفى بعض النسخ [ حملة الاختيار ] وفى بعضها [ حمل الاختيار ] . وقيل الصحيح
" ثم اختيار حملة الاخبار لأطرافك قضاة تجتهد فيه نفوسهم " وإن نعثر على نسخة مصححة بعد نشر
إليها في آخر الكتاب . وفى دعائم الاسلام " واختر لأطرافك قضاة تجهد فيهم نفسك - إلخ " مع اختلاف كثير .
( 4 ) الغرة - بالكسر - : الغفلة .
( 5 ) أعياه : أعجزه ولم يهتد لوجه مراده .