الصبر لاستطاعته قول موسى ( ع ) في جوابه : ( ستجدني إن شاء الله
صابرا ) ولم قل ستجدني إن شاء الله مستطيعا . ومن حق الجواب أن يطابق
الابتداء ، فدل جوابه على أن الاستطاعة في الابتداء هي عبارة عن الفعل
نفسه .
وأما قوله : ( فلا أعصي لك أمرا ) فهو أيضا مشروط بالمشيئة ، وليس
بمطلق على ما ذكر في السؤال ، فكأنه قال ستجدني صابرا ولا أعصي لك
أمرا إن شاء الله . وإنما قدم الشرط على الأمرين جميعا وهذا ظاهر في
الكلام .
وأما قوله : ( لقد جئت شيئا أمرا ) فقد قيل أنه أراد شيئا عجبا ، وقيل
أنه أراد شيئا منكرا ، وقيل إن الأمر أيضا هو الداهية . فكأنه قال جئت داهية .
وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن الأمر مشتق من الكثرة من أمر القوم إذا
كثروا ، وجعل عبارة عما كثر عجبه ، وإذا حملت هذه اللفظة على العجب
فلا سؤال فيها ، وإن حملت على المنكر كان الجواب عنها وعن قوله لقد
جئت شيئا نكرا واحدا . وفي ذلك وجوه :
منها : أن ظاهر ما أتيته المنكر ومن يشاهده ينكره قبل أن يعرف علته .
ومنها : أن يكون حذف الشرط فكأنه قال إن كنت قتلته ظالما فقد جئت
شيئا نكرا .
ومنها : أنه أراد أنك أتيت أمرا بديعا غريبا ، فإنهم يقولون فيما
يستغربونه ويجهلون علته أنه نكر ومنكر ، وليس يمكن إن يدفع خروج الكلام
مخرج الاستفهام والتقرير دون القطع . ألا ترى إلى قوله : ( أخرقتها لتغرق
أهلها ) وإلى قوله : ( أقتلت نفسا زكية بغير نفس ) . ومعلوم أنه إن كان قصد
بخرق السفينة إلى التغريق ، فقد أتى منكرا . وكذلك إن كان قتل النفس على
سبيل الظلم .
تنزيه الأنبياء ( ع ) — صفحة 120
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٢٠