جهة ، وإنما هي في مقام بيان نفس الوجوب عن المضطر إليه فقط ، وأما إثبات وجوب
الباقي ، فلا بد فيه من المراجعة إلى العرف ، والظاهر اختصاص حكم العرف بالوجوب ،
بخصوص صورة يصدق عليه إنه ميسور الواجب ، ومن مراتب وجوده عرفا ،
لا مبانيا محضا مع الكل بالأنظار العرفية ، وحينئذ يمكن إثبات وجوب الباقي بالقاعدة
المعروفة ، بقاعدة الميسور المستفادة من قوله عليه السلام : الميسور لا يسقط بالمعسور ، أي
بسقوط المعسور ، ومقتضى عدم سقوطه بقائه في عهدة المكلف ، بالنحو الذي كان
سابقا في العهدة ، وجوبا أو استحبابا ، إن قيل النهي عن السقوط ، إن كان مولويا وجوبيا ،
فلا يشمل المندوبات ، وإلا فلا تقتضي الوجوب في الواجبات أيضا ، يقال أن جملة
( لا يسقط ) في مقام الاخبار عن عدم سقوط العهدة ، بما اشتغلت به ، واجبا كان
أو مندوبا ، ولا ريب في إن عدم السقوط ، عبارة أخرى عن الثبوت ، واشتغال الذمة
به ، فيستفاد طلب تفريغ الذمة بنحو اشتغلت به ، واجبا كان أو مندوبا ، ثم إن المنصرف
من قوله عليه السلام ، الميسور الخ ، هو ما يصدق عليه أنه ميسور للكل عرفا ، وقد ظهر من
جميع ما مر في القاعدة ، صحة التمسك بقوله عليه السلام ( مالا يدرك كله لا يترك كله ) ،
فإن الجملة الانشائية فيه ، أيضا إخبار عن عدم فراغ الذمة عما اشتغلت به ، وبقاء طلب
تفريغه ، بنحو اشتغلت به ، ولا ريب أن المستفاد منه عرفا ، هو سلب العموم ، لا عموم
السلب ، كما لا يخفى ، وقد يستدل أيضا بقوله صل الله عليه وآله ( إذا أمرتكم بشئ ، فأتوا منه
ما استطعتم ) ، ولكنه مخدوش بظهورها في أفراد الطبيعة ، لا إجزائها ، كما لا يخفى ، وإن
كان إرادة الجامع من الشئ ممكنا ، والموصول على وجه يشمل الافراد والاجزاء ،
وكيف كان ففيما سواه كفاية ، فيستفاد منها تعين ما هو مصداق الواجب في حال
الاضطرار ، فتكون حاكمة على دليل المركب ، بشرح مصداقه بحسب حال الاضطرار ،
ولازمه الاجزاء أيضا ، إذا لم يدل دليل خارجي على حرمة تفويت الاختيار ، وإلا فلا
مجال لاستكشاف تمام المصداق للواجب ، مما مر من الأدلة ، وحينئذ إطلاق دليل
المركب يقتضي إتيانه ثانيا .
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 119
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص١١٩