فان قلت : فالآية لم تدل على قبول توبتهم وهذا مخالف للضرورة الثابتة من
جهة النقل ان الآية نزلت في توبتهم .
قلت : القصة ثابتة نقلا غير أنها لا توجد دلالة في لفظ الآية إلا أن الآية تدل
بسياقها على ذلك فقد قال تعالى في مقام الاجمال : ( لقد تاب الله ) وهو أعم باطلاقه
من التوبة بمعنى التوفيق وبمعنى القبول ، وكذا قوله بعد : ( ان الله هو التواب الرحيم )
وخاصة بالنظر إلى ما في الجملة من سياق الحصر الناظر إلى قوله : ( وظنوا ان لا ملجا
من الله إلا إليه ) فإذا كانوا اقدموا على التوبة ليأخذوا ملجأ من الله يأمنون فيه وقد
هداهم الله إليه بالتوبة فتابوا فمن المحال ان يردهم الله من بابه خائبين وهو التواب الرحيم ،
وكيف يستقيم ذلك ؟ وهو القائل عز من قائل : ( انما التوبة على الله للذين يعملون
السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم ) النساء : 17 .
وربما قيل : إن معنى ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) ثم سهل الله عليهم التوبة
ليتوبوا . وهو سخيف . وأسخف منه قول من قال : ان المراد بالتوبة في ( ليتوبوا )
الرجوع إلى حالتهم الأولى قبل المعصية . وأسخف منه قول آخرين : ان الضمير في
( ليتوبوا ) راجع إلى المؤمنين والمعنى ثم تاب على الثلاثة وأنزل توبتهم على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم
ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله قابل التوب .
وخامسا : ان الظن يفيد في الآية مفاد العلم لا لدلالة لفظية بل لخصوص المورد .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) الصدق
بحسب الأصل مطابقة القول والخبر للخارج ، ويوصف به الانسان إذا طابق خبره
الخارج ثم لما عد كل من الاعتقاد والعزم - الإرادة - قولا توسع في معنى الصدق
فعد الانسان صادقا إذا طابق خبره الخارج وصادقا إذا عمل بما اعتقده وصادقا إذا
اتى بما يريده ويعزم عليه على الجد .
وما في الآية من إطلاق الامر بالتقوى واطلاق الصادقين واطلاق الامر بالكون
معهم - والمعية هي المصاحبة في العمل وهو الاتباع - يدل على أن المراد بالصدق
هو معناه الوسيع العام دون الخاص .
فالآية تأمر المؤمنين بالتقوى واتباع الصادقين في أقوالهم وافعالهم وهو غير
الامر بالاتصاف بصفتهم فإنه الكون منهم لا الكون معهم وهو ظاهر .
تفسير الميزان — صفحة 402
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٤٠٢