إلى مقدمات يمهدها له ، وتدبير سابق يقدمه لوجوده ، فما كل عمل يعمله الانسان
بصدفة ، بل جل الأمور الحيوية من شأنها ان يتهيأ الانسان له قبل أوانه .
ومن التهيؤ له ان يتهيأ لجمع أسبابه ونظم الوسائل التي يتوسل بها إليه وان
يتهيأ لرفع موانعه التي من شأنها ان تزاحمه في وجوده وعند حصوله ، فالانسان لا
يوفق لعمل ولا ينجح في مسعاه الا إذا كان في أمن من أن تفوته الأسباب أو تعارضه
الموانع والمزاحمات .
والتنبه لهذه الحقيقة هو الذي بعث الانسان إلى أن يأخذ أمنا من رقبائه في الحياة : ان يعينوه فيما يحتاج من الأمور إلى معين مشارك ، أو ان لا يمانعوه من العمل
فيما يتوقف إلى ارتفاع الموانع وزوالها .
فالانسان وهو يريد أن يتخذ لباسا يلبسه من مادة بسيطة كالقطن أو الصوف ،
والامر متوقف على أعمال كثيرة يعملها الغزال والنساج والخياط ومن يصنع لهم أدوات
الغزل والنسج والخياطة ، لا يتم له ما يريده من اتخاذ اللباس ولا ينجح سعيه الا إذا
كان في أمن من ناحية هؤلاء الرقباء : ان يعملوا على ما يريده ولا يخلوه وحده فيخيب
سعيه يخسر في عمله .
وكذا الانسان القاطن في أرض أو الساكن في دار لا يتم له سكناه الا مع الامن
من ممانعة الناس ومزاحمتهم له في سكناه والتصرف فيه بما يصلح به لذلك .
وهذا هو الذي هدى الانسان إلى اعتبار العقد وإبرام العهد ، فهو يأخذ ما
يريده من العمل ويربطه بما يعينه عليه من عمل غيره ويعقدهما : يمثل به عقد الحبال
الذي يفيد اتصال بعض أجزائها ببعض وعدم تخلف بعضها عن بعض ، ومثله العهد
الذي يعهده إليه غيره ان يساعده في ما يريده من الامر أو ان لا يمانعه في ذلك .
وإلى ذلك يؤول أمر عامة العقود لعقد النكاح وعقد البيع والشرى وعقد
الإجارة ، ويصدق عليها العهد بمعناها العام وهو ان يعطى الانسان لغيره قولا أو
كتابا ان يعينه على كذا أو ان لا يمنعه من كذا إلى اجل .
والكلام في المقام في العهد الذي لم يختص باسم خاص كعقد البيع والنكاح
وغيرهما من عقود المعاملات فهي خارجة من غرضنا ولها في المجتمعات الانسانية أحكام
تفسير الميزان — صفحة 186
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٨٦