ويقابل الرحمة الخاصة عذاب وهو اللاملائم الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة
كفرهم وجرمهم في الدنيا كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك وفي الآخرة من النار
وآلامها ، ولا يقابل الرحمة العامة شئ من العذاب إذ كل ما يصدق عليه اسم شئ فهو
من مصاديق الرحمة العامة لنفسه أو لغيره ، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة ،
وليس وراء الشئ شئ .
إذا تحقق هذا تبين أن قوله تعالى " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت
كل شئ " بيان لخصوص العذاب وعموم الرحمة ، وإنما قابل بين العذاب والرحمة العامة مع
عدم تقابلهما لان ذكر الرحمة العامة توطئة وتمهيد لما سيذكره من صيرورتها رحمة خاصة
في حق المتقين من المؤمنين .
وقد اتضح بما تقدم أن سعة الرحمة ليست سعة شأنية وأن قوله : " ورحمتي
وسعت كل شئ " ليس مقيدا بالمشيئة المقدرة بل من لوازم سعة الرحمة الفعلية كما تقدم ،
وذلك لأن الظاهر من الآية أن المراد بالرحمة الرحمة العامة وهي تسع كل شئ بالفعل
وقد شاء الله ذلك فلزمتها فلا محل لتقدير " ان شئت " خلافا لظاهر كلام جمع من
المفسرين .
قوله تعالى : " فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون "
تفريع على قوله : " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي " الآية أي لازم وجوب إصابة
العذاب بعض الناس وسعة الرحمة لكل شئ أن أوجب الرحمة على البعض الباقي ، وهم
الذين يتقون ويؤتون الزكاة الآية .
وقد ذكر سبحانه الذين تنالهم الرحمة بأوصاف عامة وهي التقوى وإيتاء الزكاة
والايمان بآيات الله من غير أن يقيدهم بما يخص قومه : كقولنا للذين يتقون منكم ونحو
ذلك لان ذلك مقتضى عموم البيان في قوله : " عذابي أصيب به من أشاء " الآية والبيان
العام ينتج نتيجة عامة .
وإذا قوبلت مسألة موسى بالآية كانت الآية بمنزلة المقيدة لها فإنه عليه السلام سأل
الحسنة والرحمة لقومه ثم عللها بقوله : " أنا هدنا إليك " فكان معنى ذلك مسألة الرحمة
لكل من هاد ورجع منهم بأن يكتب الله حسنة الدنيا والآخرة لمجرد هودهم وعودهم
تفسير الميزان — صفحة 275
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٧٥