تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
إنما تبينوا ضلالهم بعد رجوع موسى إليهم كما تفصل ذلك سورة طه لكنه سبحانه كأنه قدم الآية لأنها مشتملة على حديث ندامتهم على ما صنعوا وتحسرهم مما فات منهم ، وقد أظهروا ذلك بقولهم : " لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين " والأحرى بالندامة والحسرة أن يذكرا مع ما تعلقنا به من غير فصل طويل ، ولذا لما ذكر اتخاذهم العجل في الآية الأولى وصله بندامتهم وحسرتهم في الآية الثانية . ولان ذيل حديث رجوع موسى في الآية التالية مشغول بدعائه لنفسه وأخيه ففصل بينه وبين هذا الذي هو صورة دعاء . قوله تعالى : " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا " إلى آخر الآية الأسف بكسر السين صفة مشبهة من الأسف وهو شدة الغضب والحزن والخلافة القيام بالامر بعد غيره ، والعجلة طلب الشئ وتحريه قبل أوانه على ما ذكره الراغب يقال : عجلت أمرا كذا أي طلبته قبل أوانه الذي له بحسب الطبع فمعنى الآية : ولما رجع موسى إلى قومه وهو في حال غضب وأسف لما أخبره الله تعالى لدى الرجوع بأن قومه ضلوا بعبادة العجل بعده فوبخهم وذمهم بما صنعوا وقال : بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وطلبتموه قبل بلوغ أجله ، وهو أمر من بيده خيركم وصلاحكم ولا يجري أمرا إلا على ما يقتضيه حكمته البالغة ، ولا يؤثر فيه عجلة غيره ولا طلبة ولا رضاه إلا بما شاء ، والظاهر أن المراد بأمر ربهم أمره الذي لأجله واعد موسى لميقاته ، وهو نزول التوراة . وربما قيل : إن معنى " أعجلتم أمر ربكم " : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم : وقيل : المعنى استعجلتم وعد الله وثوابه على عبادته فلما لم تنالوه عدلتم إلى عبادة غيره ؟ وقيل : المعنى أعجلتم عما أمركم به ربكم وهو انتظار رجوع موسى حافظين لعهده فبنيتم على أن الميقات قد بلغ آخره ولم يرجع إليكم فغيرتم هذا ، وما قدمناه من الوجه أنسب بالسياق . وبالجملة اشتد غضب موسى عليه السلام لما شاهد قومه ووبخهم وذمهم بقوله : " بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم " وهو استفهام انكاري - " وألقى الألواح " وهي ألواح التوراة " وأخذ برأس أخيه قابضا على شعره يجره إليه " وقد قال له - فيما